عاش لبنان مراحل هدوء موقتة، وفترات حروب مشتعلة بسبب الصراعات المندلعة على أراضيه وارتباط قوى لبنانية بالمشاريع الإقليمية والدولية، وهذا ما أدّى إلى اختلال ميزان الدولة وتدهور هيبتها ووقوعها تحت سطوة الأمر الواقع، وهكذا عرف لبنان زمن حكومات فرض عليها "حزب الله" (الإيراني) معادلة "جيش، شعب، مقاومة" في البيانات الوزارية، وظهرت فكرة التعايش معه تحت عنوان "ربط النزاع" وقال بعض الآذاريين يومها إنّ الأفضل القبول بالتواجد في حكومات فيها "الحزب" على أساس إعطاء البعد الاقتصادي الأولوية ومحاولة تجنّب الصراع السياسي على السلاح غير الشرعي.
بالإجمال، فشلت هذه النظرية، لكن يمكن أن نلاحظ أنّه في فترات الهدوء، وعندما ساير "حزب الله" الأجواء العامة، وتمكنت الحكومات من العمل وفق المصالح اللبنانية، فإنّ الطائفة الشيعية عرفت حالات أمن وازدهار، وأفادت من الهدوء لتوسع حضورها الاقتصادي بشكل ملموس.
لكنّ كلّ ما أنجزه الشيعة من صعود، بعضه وهمي بسبب التضخم الأمني والسياسي والمالي غير المشروع من خلال الاقتصاد الموازي، وبعضه حقيقي نتيجة وجود رجال أعمال شيعة جادين في مساراتهم المهنية، غير أنّ الجميع كان يفقدون في كلّ حرب ما أنجزوه، وفي حربي الإسناد الأخيرتين كانت الخسائر هائلة وغير قابلة للتعويض.
أدّى إسناد غزة وإيران إلى سلسلة لا تنتهي من الكوارث، أخطرها على المستوى الوطني خسارة ما بين 600 و700 كيلومتر مربع (تقدر بنحو 6% إلى ما يقارب 7% من إجمالي مساحة لبنان البالغة 10452 كيلومترًا مربعًا) مع انعدام الأفق حول إمكانية عودة السيادة اللبنانية إليها في المدى المنظور، مع مخاطر بقاء قسم من أراضي الجنوب لسنوات طويلة تحت الاحتلال.
ولا يقلّ فداحة عن خسارة الأرض، خسارة الأرواح وسقوط أكثر من 10,000 شخص، مع استمرار سقوط المزيد من الشيعة يوميًا، بالتزامن مع نزوح مئات الآلاف من الأفراد من دون أي أمل في العودة إلى ديارهم، وفقدان الوظائف والمتاجر والأعمال مع تسجيل تراجع متزايد للنفوذ الإيراني في لبنان.
اختلفت
في السابق كانت إسرائيل تمتنع عن الرد حتى على خيمة على حدودها، لكنها الآن تردّ بعنف على أي حركة يقوم بها "الحزب"، وعلى مدى عامين، فشل نعيم قاسم في تأمين إطلاق سراح أي سجين في الصراعات التي أشعلها، مما زاد من حدة الاحتلال، وفي المقابل، أطلقت الحكومة اللبنانية سراح ستة سجناء في غضون أشهر قليلة، بل وحققت بدايات انسحاب إسرائيلي عبر مفاوضات مباشرة، قبل أن يجهض "الحزب" هذه العملية.
يدرك نعيم قاسم وحزبه أنّ سبيله الوحيد للبقاء هو تخريب المفاوضات والتقدم الذي يحرزه لبنان. ولهذا السبب تحديدًا، يجب أن تكون جميع القرارات المتعلقة بالسلام والحرب حكرًا على الحكومة اللبنانية وحدها، وبينما ينشغل قاسم بادعاء انتصارات بطولية تخدم إيران، فإنه يُلحق بحزبه هزائم مؤلمة ذات عواقب وخيمة تلقي بأثقالها على لبنان بأكمله.
لقد أفسح حزب إيران لإسرائيل المجال لاجتياحٍ إضافيّ جديد بعد رفضه تسليم تلة علي الطاهر للجيش اللبناني، فأطاح الإسرائيليون بالنبطية وباتت الطريق مفتوحة أماهه نحو الزهراني وصور، بينما كانت الحكومة تحاول التركيز على تحقيق إنجازات ملموسة للبنان بأكمله، وتنظيف الفوضى التي خلفها وراءه.
ورغم ارتفاع وتيرة الهجمات الإسرائيلية، غير أنّه لا مناص من العودة إلى قنوات التفاوض لوقف العنف، وللتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب ويوفر للبنان الاستقرار المنظر منذ عقود، فاستئناف المحادثات بين إسرائيل ولبنان هو السبيل لضمان انسحاب إسرائيل وعودة جميع الأسرى إلى ديارهم.
لقد انكسر حزب إيران وانهزم أمام الاحتلال الإسرائيلي، لكنّه ما زال يعادي اللبنانيين ويعربد عليهم في الداخل، ويقوم بتكفير الدولة وتهديد الاستقرار، وهو بذلك لا يترك أيّ مساحة للتعاطف معه بأي شكل من الأشكال، فقد تحوّل وحشًا لا مصلحة لأحد ببقائه، وبدل أن يعود سالمًا غانمًا إلى الدولة قرّر الانتحار مع من يتبعه في ضلاله المبين.