ثمة مشهدان يفصل بينهما نحو عقدين من الزمن، وتختلف فيهما التنظيمات والبيئة السياسية والعسكرية، لكنهما يطرحان السؤال نفسه: كيف تبني الدعايةُ الأسطورةَ؟ وكيف تسقط المواقع المحصّنة كأوهام غيوم الصيف، وأين يختفي المقاتلون الذين قيل إنهم سيقاتلون حتى الشهادة؟
في نهر البارد عام 2007، لم يكن تنظيم «فتح الإسلام» يقدم نفسه كتنظيم صغير محاصر ينتظر نهايته. على العكس، كانت دعايته تقوم على صورة القوة القادرة على الصمود، وعلى مقاتلين انتحاريين مستعدين للقتال داخل المخيم مهما طال الحصار. وقد تحدث الجيش اللبناني عن آلاف المقاتلين الذين انضموا إلى التنظيم من لبنان ومن جنسيات مختلفة.
بين ليلة وضحاها سقط المخيم بيد الجيش اللبناني. لكن المفاجأة التي غطت على النصر السريع، كانت اختفاء جميع المقاتلين مع قائدهم شاكر العبسي بالرغم من الحصار المحكم للمخيم.
فبعد معركة ضارية لمدة ثلاثة أشهر، لم تظهر صورة واضحة لمئات المقاتلين الذين كان يفترض أنهم داخل المخيم، وحتى مصير شاكر العبسي نفسه بقي موضع تضارب في الروايات.
اليوم، يعيد "علي الطاهر" إنتاج المشهد، وإن في ظروف مختلفة تمامًا.
فالتلة ليست موقعًا عاديًا؛ إنها مرتفع استراتيجي على ارتفاع نحو 600 متر، وتتمتع بإطلالة واسعة على الجنوب، وقد وصفت بأنها إحدى النقاط الأساسية في المنظومة العسكرية التي أقامها «حزب الله» في المنطقة. وكانت التقارير تتحدث عن منشآت مهمة ومحصنة وأنفاق ومراكز قيادة ومستودعات أسلحة تحت الأرض ضمن مشروع «جبالنا خزائننا».
والأهم أن الحديث لم يكن عن مقاتلي «حزب الله» وحدهم، فقد نقلت «رويترز» عن مسؤولين أن عناصر من الحرس الثوري الإيراني، بينهم ضباط كبار، موجودون مع مقاتلي الحزب في المنطقة.
بعد تهديدات وتهديدات مقابلة بلغت ذروتها بخبر صحفي مفاده أن إيران ستقصف إسرائيل إذا حاولت اقتحام تلة علي الطاهر، أعلنت إسرائيل بشكل مفاجئ في 4 أيلول أن قواتها سيطرت عملياتيًا على التلة، ليكرر اللبنانيون السؤال القديم نفسه: أين ذهب الرجال؟
فإذا كانت التلة محاصرة، وإذا كان الموقع قد تحول إلى عقدة عسكرية أساسية، وإذا كان الحديث عن وجود عشرات المقاتلين وعناصر إيرانية، فكيف انتهى المشهد بهذه السرعة؟
هنا بالضبط تظهر المقارنة مع نهر البارد.
في الحالتين، سبقت السقوطَ دعايةُ القوة. «فتح الإسلام» قدم نفسه كقوة قادرة على الصمود في وجه الجيش اللبناني، و«حزب الله» بنى، على مدى سنوات، سردية عسكرية تقوم على التحصين والأنفاق والقدرة على تحويل الجغرافيا إلى حصون يصعب اقتحامها.
لكن في الحالتين، عندما وصل الاختبار إلى الأرض، أصبح السؤال مختلفًا: ماذا حدث تحت الطاولة؟ وأين اختفى المقاتلون؟
والتشابه الأكثر إثارة ليس في النتيجة العسكرية، بل في المشهد الأخير.
كما في قصة نهر البارد، كذلك في قصة علي الطاهر، يبقى اختفاء الرجال هو سر الأسرار الذي يغذي الخيال ويفتح باب التأويلات.
فالصفقات السرية لا تظهر في البيانات الرسمية، لكن آثارها تظهر على الأرض.
موقع محصن دخل الأسطورة يسقط بسهولة غير منطقية.
مقاتلون كان يفترض أن يكونوا محاصرين ومستعدين للقتال حتى الموت يختفون من المشهد بسحر ساحر.
قيادات وضباط في الحرس الثوري كان يفترض أن تظهر في نهاية المعركة اختفت كسراب الصحراء.
في نهر البارد، انهارت صورة «فتح الإسلام» في لحظة كقوة انتحارية لا تُهزم، وبقيت أسئلة حول اختفاء العبسي وعصاباته.
واليوم، في علي الطاهر، تتعرض صورة «التحصين والردع» و«جبالنا خزائننا» لاختبار مشابه؛ تسقط الأسطورة ويختفي المقاتلون من موقع كان يُقدَّم باعتباره إحدى أهم العقد العسكرية في الجنوب.
ربما تكون المعركة قد انتهت في الميدان، لكن المعركة الحقيقية تبدأ بعد ذلك: معركة معرفة ما الذي حدث خلف الكواليس، ومن باع ومن اشترى؟