في اللحظات السياسية الفاصلة، تسقط الأقنعة وتنكشف الخريطة الحقيقية للمصالح والارتباطات الخارجية على أرض الجنوب الشهيد. ما جرى في موقع «علي الطاهر» لم يكن مجرد تطور عسكري عابر، بل صدمة سياسية كشفت حجم الأوهام التي جرى بيعها للبنانيين، وعرّت الفارق بين الخطاب البطولي والواقع المهزوم.
لقد تجاوزت هذه الأوهام حتى ما شهدناه في أواخر تسعينيات القرن الماضي خلال حروب الرئيس ميشال عون العبثية، حين أعلن أنه سيقاتل حتى النهاية، وأنه سيواجه خصومه «بسكين المطبخ» ويدفن في مقر قيادته. لكن عند لحظة الحقيقة، انتهى الخطاب البطولي بالهروب إلى السفارة الفرنسية.
السؤال اليوم ليس فقط ماذا حدث في «تلة علي الطاهر»، بل ماذا تكشف هذه الحادثة عن حقيقة الشعارات التي تُرفع ، ثم تسقط دفعة واحدة عندما تحين ساعة الاختبار؟
أين الشيخ نعيم قاسم، الذي ملأ الشاشات بشعار «لاقونا عالساحة»؟ وصل الإسرائيلي، لكن الشيخ وعصابته وحلفاءه اختفوا كالأشباح، وكأنهم سراب في الصحراء، حتى بدت كذبة حصن «علي الطاهر» صورةً مصغّرةً لكذبة أكبر اسمها حزب الله، والمئة ألف مقاتل، والمئة ألف صاروخ.
حين تفضّل الحسابات الإيرانية تسليم موقع «علي الطاهر» إلى الجيش الإسرائيلي، بدلاً من تسليمه إلى الجيش اللبناني، كما كان مطروحاً، نكون أمام رسالة سياسية شديدة الوضوح والخطورة. فالمسألة لا تعود مجرد قرار ميداني أو تكتيك عسكري، بل تكشف، في جوهرها، عن استخفاف خطير بالسيادة اللبنانية، وكأن الأرض اللبنانية ومواقعها الاستراتيجية ليست ملكاً للدولة وشعبها، بل أوراقاً قابلة للمقايضة والتوظيف في بازار الصفقات والإملاءات الخارجية.
تجاوز الجيش اللبناني، يعكس إصراراً ايرانيا على تهميش الدولة اللبنانية في إشارة مباشرة تقول إن الشرعية الوطنية غير مرغوب فيها، حتى لو كان البديل إتاحة المجال للإسرائيلي كي يرسم قواعد اللعبة في الجنوب ويفرض واقعاً ميدانياً جديداً على الأرض.
إن الرسالة قد وصلت بالفعل، وبأوضح صورة: الجنوب اللبناني، في نظر إيران ومن يمثلها، ليس أرضاً لبنانية تُصان سيادتها، بل ساحة مستباحة للاستثمار السياسي والأمني. ومن له أذنان فليسمع، ومن في رأسه عقل فليفهم.