رفيق خوري

تحدي التمكن اللبناني من حكم النفس

3 دقائق للقراءة
جديد يقرر وقديم يعرقل (أرشيف)

لبنان محکوم بأن يكون الحكم فيه شراكة محلية مع شركاء من الخارج. وليس في إدارته سوى "سلطة بالتراضي" تغطي ضعفها بالاستقواء على الضعيف، وخطاب الانتماء نظریًا إلى "دولة الوفاق الوطني". فلا قرار يمكن التوصل إليه، حتى على الورق، من دون مساومات وضغوط يشارك فيها الخارج، أو يبدو قابلا للتنفيذ إذا اصطدم بفيتو طرف واحد. وكل ركن في السلطة بالتراضي أقوى منها. ولا مهرب من "الترويكا"حتى حين يكون أركانها على خلاف حول قرارات كبيرة أو صغيرة جدًّا كتوظيف شخص، ومن دون حاجة إلى اجتماعات رسمية بين رؤساء الجمهورية والمجلس النيابي والحكومة، بصرف النظر عن نسبة النفوذ لكل واحد من الأركان.

في النسخة القديمة من "الترويكا" أيام الوصاية السورية كانت التركيبة واضحة: ثلاثي رئاسي لبناني، فوقه ثلاثي سياسي وعسكري سوري مسؤول عن بلد يسمى الملف اللبناني، وفوق الجميع رئيس في القصر الرئاسي في دمشق له الكلمة الفصل. وفي النسخة الجديدة بعد تعدد الوصايات، ثلاثي لبناني يتحكم السلاح بالأرجحية فيه، وفوقه ثلاثي عربي وإقليمي ودولي كل واحد فيه يعتبر نفسه الرأس.

ذلك أن ما كان ينطبق على لبنان خلال العقود الماضية، باستثناء فترات قصيرة نسبيًا، هو تعبير "الدولة الوكيل" على حد التوصيف الذي أطلقه العالم السياسي الفرنسي من أصل إیراني برتران بديع على كثير من حكومات المنطقة. وهذه الدولة أداة لإدارة مصالح القوى المهيمنة.

وشبكات النفوذ الإقليمي والدولي. والسؤال البسيط، وسط عمل الممانعة على إدارة الفوضى ثم "التمكين" في لبنان آخر، هو متى تمكّن لبنان من حكم نفسه، وسط تراكم الأزمات والحروب والوصايات في مراحل النفوذ الفلسطيني المسلح والاجتياح الإسرائيلي والوصاية السورية والوصاية الإيرانية؟ والى أي حد نحن اليوم في "لبنان جديد" قادت إليه مع "سوريا الجديدة" التحولات الهائلة في المنطقة منذ "طوفان الأقصى" وحرب غزة وحرب "حزب الله" لإسناد غزة ثم لإسناد إيران في الحرب الأميركية - الإسرائيلية عليها؟

الانطباع السائد أن التحولات التي قادت العماد جوزاف عون إلى القصر الجمهوري والدكتور نواف سلام إلى رئاسة مجلس الوزراء وتشكيلة حكومته، فتحت أمام الوضع الجديد فرصة للخروج مما سماها کارل ميردال "الدولة الرخوة" نحو السلطة الجريئة على الطريق إلى مشروع الدولة القوية. فرئيس الجمهورية أخذ خيار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية أميرکا لضمان الأنسحاب واستعادة السيادة وإعادة الإعمار. ومجلس الوزراء اتخذ قرارات جريئة بسحب السلاح من "حزب الله" وإعلان نشاطه العسكري والأمني خارج القانون.

لكن "الثنائي الشيعي" رفض اتفاق "الإطار الثلاثي" وتفاوض لبنان بنفسه عن نفسه مصرًّا على ترك المفاوضات عن لبنان في ید إیران. ورئيس البرلمان المخضرم نبيه بري، وهو الركن الثاني في "الترويكا"، يوحي أن الوضع القديم هو الثابت. جديد يقرر، وقديم يعرقل. والنتيجة هي الجمود في وضع اقتصادي ومالي واجتماعي تحت الصفر. وهذا أخطر من أي حرب وأي تفاوض مع إسرائيل.

وحتى إشعار آخر، فإن حصرية السلاح بيد الدولة واستعادة قرار الحرب والسلم وفصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني لا تزال قرارات على الورق. وإذا كان صندوق النقد الدولي شريكًا في القرار اللبناني إلى جانب الشركاء المطلوبين وأبرزهم أميركا والسعودية، فإن الشركاء المفروضين تتقدمهم إيران وإسرائيل.

و"كل الرجال يمكن أن يكونوا أشداء، ولكن إذا أردت امتحان شخصية رجل أعطه السلطة" كما قال الرئيس أبراهام إينكولن.