ليست زيارة سفير دولة فلسطين لدى لبنان الدكتور محمد الأسعد إلى بلدة الدامور محطة دبلوماسية عابرة، ولا نشاطًا بروتوكوليًا يضاف إلى لقاءات السفارة. فاختيار الدامور، بما تختزنه من ذاكرة لبنانية مثقلة بجراح الحرب، منح الزيارة بُعدًا وطنيًا وسياسيًا يتجاوز كلمات الترحيب، ويفتح النقاش حول المصالحة مع الماضي من دون إنكاره، والانتقال إلى مستقبل تحكمه سيادة الدولة ووحدة المجتمع وحق الفلسطينيين في العودة.
زيارة الأسعد، على رأس وفد من السفارة، ولقاؤه رئيس بلدية الدامور جان غفري وأعضاء المجلس البلدي والمخاتير والفعاليات، حملا رسالة واضحة مفادها أن معالجة الإرث الصعب لا تتحقق بالصمت أو بتجاهل الذاكرة، بل بالحوار المباشر بين اللبنانيين والفلسطينيين. ومن هنا اكتسب كلام رئيس البلدية عن ضرورة "تنقية الذاكرة المشتركة" وطي صفحة الماضي أهمية خاصة، لأنه يفتح المجال أمام علاقة تتجاوز الوقائع المؤلمة التي ما زالت حاضرة في الذاكرة اللبنانية والفلسطينية.
فالدامور ليست مكانًا محايدًا في الذاكرة اللبنانية، بل واحدة من البلدات التي دفعت أثمانًا قاسية خلال الحرب. لذلك، فإن وصول ممثل الدولة الفلسطينية إليها يمكن قراءته كإشارة إلى حساسية المكان والاستعداد للانتقال من إدارة الجراح إلى مواجهتها بالحوار. وفي المقابل، يعكس استقبال البلدية والفعاليات للوفد الفلسطيني رغبة في عدم توريث الأجيال عداوات الحرب، وفي بناء علاقة تحمي الحقيقة التاريخية من جهة، وتمنع تحويلها إلى وقود لانقسامات جديدة من جهة أخرى.
وتزداد دلالة الخطوة لأنها تأتي في زمن تتشابك فيه حرب غزة مع أوضاع المخيمات والنقاش اللبناني حول السلاح والسيادة. فالذاكرة، عندما تظل بلا مصارحة، قد تتحول إلى أداة للاستثمار السياسي، بينما يفتح وضعها في إطار حوار رسمي ومحلي الباب أمام مقاربة تفصل بين مسؤولية الماضي وحقوق الحاضر، وبين التضامن مع فلسطين وحق لبنان في حماية سيادته واستقراره.
وحرص الأسعد على وضع الزيارة في إطار روحي جامع، بالتزامن مع مناسبات مسيحية، مستحضرًا مكانة فلسطين بوصفها أرض الرسالات ومهد السيد المسيح، وارتباطها أيضًا برسالة النبي محمد من خلال الإسراء والمعراج. ولم يكن هذا البعد الديني منفصلا عن مضمون الزيارة السياسي، بل شكّل مدخلا لتأكيد أن المشترك الروحي والإنساني قادر على مواجهة الانقسام والكراهية، وأن العيش المشترك ضرورة لحماية لبنان وفلسطين.
وتأتي الزيارة ضمن مسار سياسي أوسع تقوده الدبلوماسية الفلسطينية لإعادة تنظيم العلاقة مع الدولة اللبنانية على قواعد واضحة. فالتواصل بين الرئيس جوزاف عون والرئيس محمود عباس يعكس توجهًا لتعزيز العلاقات بين البلدين والشعبين، ودعم القضية الفلسطينية، والحفاظ على سيادة لبنان وأمنه واستقراره، وتخفيف معاناة اللاجئين الفلسطينيين ومنحهم حقوقهم الإنسانية إلى حين عودتهم إلى وطنهم.
وفي هذا السياق، استعاد الأسعد الجولات واللقاءات التي أجراها الوفد الفلسطيني قبل عام، برئاسة عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" ياسر عباس وعضوية الأسعد، على القيادات اللبنانية والمرجعيات الروحية. وتؤكد هذه الإشارة أن زيارة الدامور ليست حدثًا منفصلا، بل حلقة في مقاربة فلسطينية رسمية تسعى إلى بناء جسور التعاون والتنسيق، وتعزيز الثقة، وتثبيت مرجعية الدولة في إدارة العلاقات اللبنانية- الفلسطينية.
أما تجديد رفض التوطين والتمسك بحق العودة إلى فلسطين وعاصمتها القدس، فيحمل رسالة مزدوجة: طمأنة اللبنانيين إلى أن الحقوق الإنسانية للاجئين لا تشكل مدخلًا لتثبيت إقامتهم الدائمة، وتأكيد أن تحسين ظروفهم لا يتناقض مع حقهم الوطني في العودة. وهذا الفصل ضروري لإخراج الملف من دائرة التخويف السياسي والانتقال به إلى معالجة مسؤولة تحفظ المصلحة اللبنانية والحقوق الفلسطينية معًا.
ومن الدامور، حاولت الدبلوماسية الفلسطينية فتح نافذة في جدار ذاكرة الحرب. فاللوحة التي قدمها الأسعد إلى رئيس بلدية الدامور، بما تمثله من أبعاد دينية وحضارية وإنسانية في فلسطين، اختصرت دلالة الزيارة: لا يمكن تغيير ما وقع، لكن يمكن منع الماضي من التحكم بالمستقبل. وإذا تحولت المبادرة إلى مسار حوار صريح، فإن الدامور قد تنتقل من رمز للجراح والانقسام إلى نقطة انطلاق لمصالحة تاريخية تعيد بناء العلاقة اللبنانية- الفلسطينية تحت سقف الدولة، وعلى أساس الحقيقة والسيادة ورفض التوطين والتمسك بالعودة والسلام العادل، وتؤسس لمرحلة جديدة من التعاطي الهادئ والمسؤول، بعيدًا من الحسابات الضيقة، بما يضع المصالحة في إطارها الوطني ويمنحها فرصة حقيقية للاستمرار والبناء المشترك.