روجيه نهرا

جديدة مرجعيون... إرث صنع هوية الجنوب

6 دقائق للقراءة
يشكل الإرث الديني أحد أبرز معالم جديدة مرجعيون

منذ نشأتها، شكّلت جديدة مرجعيون ملتقىً للشعوب والثقافات، واستقبلت عائلات قدمت من حوران وحاصبيا ومناطق أخرى، فاندمج الجميع في نسيج اجتماعي واحد حافظ على خصوصيته الدينية من دون أن يفقد انفتاحه. هذا التنوع منح البلدة شخصيتها المميزة، فباتت نموذجاً للتلاقي بين مختلف الطوائف والمذاهب.


تقع جديدة مرجعيون على هضبة مستطيلة تنحدر تدريجياً شرقاً نحو سهل مرجعيون الغني بالينابيع والأراضي الزراعية الخصبة، فيما تنحدر غرباً بسرعة نحو وادي نهر الليطاني. ترتفع 750 متراً عن سطح البحر، ويبلغ عدد سكانها نحو ألفي نسمة فيما لا يتجاوز المقيمين فيها اليوم 1300 شخص. أما عدد المغتربين فيتجاوز الخمسة آلاف موزعين على كل دول العالم، وهم يساهمون في دعم صمود أهالي البلدة.

يعود تاريخها إلى أكثر من 300 عام، فيما تشير الروايات إلى أنها قامت على أنقاض مدينة "عيون" الكنعانية، التي كانت عاصمة لمملكة أمم ومقر الحويين، وورد ذكرها في الكتاب المقدس. كانت البلدة الأولى قائمة على "تل دبين"، حيث كشفت الآثار عن هياكل ومغاور وسراديب وحمّامات قديمة. إلا أن الكوارث الطبيعية دفعت السكان إلى الانتقال إلى التلة المجاورة، حيث نشأت البلدة الحالية التي حملت اسم "الجديدة"، ارتباطاً بسهل مرجعيون ووفرة عيون المياه فيها. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة: "كرمال عين، تكرم مرجعيون"، التي تعود إلى عام 1894، عندما قالها حاكم بيروت رضا بك الصلح خلال وساطة عليا يوسف فرنسيس من بلدة القليعة لتبرئة أهالي مرجعيون من تهمة ألصقت بهم.


مركز القضاء وعاصمة اقتصادية

أصبحت جديدة مرجعيون مركزاً لقضاء مرجعيون عام 1890 بعد نقل مركز القضاء من كفركلا، وكانت تُعرف بـ"القصبة" لكن البلدة خسرت جزءاً كبيراً من أراضيها بعد عام 1920 مع ترسيم الانتدابين الفرنسي والبريطاني، ثم خسرتها نهائياً عام 1948 بعد قيام إسرائيل، وتلقت ضربة ثالثة عام 1967 مع احتلال الجولان.

كان السكان الأصليون من الأرثوذكس والسنّة، وعُرفوا بالعائلات البلدية. ومنذ عام 1613 بدأت موجات الهجرة من إزرع في حوران، ثم تتابعت خلال القرنين التاليين نتيجة الصراعات، كما استقبلت البلدة عائلات من حاصبيا بعد أحداث عام 1860. وجلب القادمون معهم مقتنياتهم الثمينة، مثل المهابيج والأباريق النحاسية، وهو ما اشتهرت به الجديدة لاحقاً.

عرفت جديدة مرجعيون نهضة تعليمية مبكرة، حتى إن آخر أمي فيها توفي عام 1936، بعدما كانت تضم أربعة خريجين من الجامعة الأميركية في بيروت. وتضم البلدة خمس مدارس، إضافة إلى مهنية فنية ودار للمعلمين، ما جعلها مركزاً تربوياً وثقافياً لأبناء مرجعيون وحاصبيا والقرى المجاورة. واستحقت جديدة مرجعيون لقب "بلدة العلم والثقافة"، إذ شهدت منذ أواخر القرن التاسع عشر نهضة تعليمية واسعة بفضل مدارس الإرساليات الأجنبية. وامتدت النهضة إلى الصحافة، فصدرت فيها صحف رائدة مثل "المرج" و"النهضة المرجعيونية" و"القلم الصريح" و"صدى الجنوب"، وأسهمت في نشر الفكر الوطني والثقافة السياسية وتعزيز التواصل بين المقيمين والمغتربين.


تنوع وروح انفتاح

يشكل الإرث الديني أحد أبرز معالم جديدة مرجعيون، إذ تحتضن عدداً من المراكز الروحية التي لعبت أدواراً دينية وثقافية واجتماعية. فهي مقر مطرانية الروم الأرثوذكس التي تعود جذورها إلى القرن السادس عشر، ومقر مطرانية الروم الملكيين الكاثوليك منذ عام 1886، إلى جانب كاتدرائية مار بطرس وكنيسة السيدة العذراء. ويذكر الأب نايف إبراهيم اسطفان في كتابه "تاريخ أبرشية صور وصيدا وتوابعهما للروم الأرثوذكس" أن أبناء البلدة جدّدوا بناء كنيسة مار جرجس عام 1860. وتعود جذور الأبرشية إلى عام 1517، فيما اتخذ المطران جراسيموس طراد جديدة مرجعيون مقراً للأسقفية عام 1867، لتُعرف رسمياً باسم "أبرشية صور وصيدا ومرجعيون".

كما تأسست أبرشية قيصرية فيليبس في جديدة مرجعيون عام 1886 بعد نقل مقرها من بانياس، وعُيّن المطران بطرس الجريجيري أول مطران عليها.أما كاتدرائية مار بطرس فقد شُيدت بين عامي 1890 و1892 بتقدمة من البابا لاوون الثالث عشر، وأعيد ترميمها بعد احتراقها عام 1968، فيما بقيت كنيسة السيدة العذراء، التي بُنيت عام 1863، قائمة إلى جانبها.

وبدأ الحضور الإنجيلي مع المرسلين الأميركيين في القرن التاسع عشر، وتأسست أول رعية عام 1851، فيما دشنت الكنيسة الحالية عام 1876. ولعبت الكنيسة الإنجيلية دوراً بارزاً في تطوير التعليم عبر مدارسها والمنح الدراسية التي قدمتها للطلاب، وأسهمت في نشر المعرفة وتحديث المجتمع.

كما يعد أبناء الطائفة السنية من العائلات المؤسسة للبلدة، ويشكلون اليوم نحو 20 في المئة من سكانها، ولهم مسجد أبي بكر الصديق الذي رمم عام 2003. أما الوجود الماروني، فيعود إلى عام 1860، وتوسع مع إنشاء ثكنة الجيش وانتقال العديد من العسكريين للإقامة في البلدة. وشُيدت كنيسة سيدة الخلاص بين عامي 1936 و1951.


شخصيات صنعت تاريخ البلدة

أنجبت جديدة مرجعيون شخصيات تركت بصماتها في لبنان والعالم، أبرزها الدكتور مايكل دبغي، والأديب عصام محفوظ، والمؤرخ ألبرت حوراني، وسيسل حوراني، والدكتور وليد غلمية، وعبد المسيح محفوظ، وألفرد أبو سمرا، وفضيل وهبه، وراضي دخيل، وفؤاد وجورج جرداق، ورائف سمارة، وأسعد بيضون، ولبيب غلمية، وغيرهم من الشخصيات التي برزت في الطب والأدب والصحافة والسياسة.


محطات تاريخية

تزخر الجديدة بمحطات مفصلية، منها: أول هجرة إلى الخارج عام 1868، وأول قافلة إلى الولايات المتحدة عام 1885، وأول صحيفة في الجنوب "المرج" عام 1909، وأول سيارة عام 1914، وأول علم عربي بعد جلاء العثمانيين عام 1918، وأول مكالمة هاتفية مع أميركا عام 1952، وأول إنارة بالكهرباء عام 1952، إضافة إلى أول سينما، وأول مطبعة، وأول كاتب عدل في لبنان، وأصغر مختار في لبنان.


جهود البلدية 

وأكد رئيس بلدية جديدة مرجعيون، سري غلمية لـ"نداء الوطن" أن البلدية لم تتوقف عن أداء واجباتها منذ بداية الأحداث، بل واكبت مختلف التطورات الميدانية، لافتاً إلى أن البلدية تابعت أيضاً ملفات الخدمات الحيوية، ولا سيما إصلاح شبكة المياه بعد تعرض الخط الرئيسي للأضرار، إضافة إلى متابعة ملف الكهرباء مع الجهات المختصة، رغم أن هذين القطاعين يقعان ضمن مسؤولية المؤسسات الرسمية وليس البلدية.

وأوضح غلمية أن البلدية، شأنها شأن معظم البلديات اللبنانية، تعاني ضائقة مالية نتيجة تأخر الدولة في تحويل مستحقاتها، فضلاً عن أن معظم هذه المستحقات لا تزال محتسبة على أساس سعر الصرف القديم، في حين تُدفع النفقات الحالية وفق الأسعار الفعلية وبالدولار، ما أدى إلى اتساع الفجوة المالية.