محمد البابا

حين لاحقت الحرب زيلينسكي إلى مولدوفا

4 دقائق للقراءة
هل كانت موسكو ترسل رسالة مباشرة إلى زيلينسكي؟ (رويترز)

لم تعد الحرب الروسية - الأوكرانية محصورة داخل حدود أوكرانيا أو على خطوط الجبهة التقليدية. ففي حادثة أثارت قلقًا واسعًا في العواصم الأوروبية، تحوّل اختراق طائرة مسيّرة روسية انتحارية الأجواء المولدوفية إلى واحدة من أخطر الوقائع الأمنية المرتبطة مباشرة بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي منذ بداية الحرب.

ففي الثامن من أيلول، وبينما كان زيلينسكي يستعدّ لمغادرة مطار كيشيناو الدولي في مولدوفا، متوجّهًا إلى العاصمة النروجية أوسلو للمشاركة في مباحثات تتعلّق بالدعم العسكري وتعزيز قدرات الدفاع الجوي الأوكرانية، رصدت السلطات المولدوفية اختراقًا جوّيًا لطائرة مسيّرة روسية دخلت المجال الجوّي للبلاد في توقيت حساس تزامن مع وجود طائرة الرئاسة الأوكرانية على المدرج واستعدادها للإقلاع.

وأثار هذا التزامن سلسلة من التساؤلات الأمنية حول ما إذا كان الأمر مجرّد حادث مرتبط بالهجمات الروسية الاعتيادية في المنطقة، أم أن موسكو كانت ترسل رسالة مباشرة إلى زيلينسكي مفادها أن تحرّكاته الجوّية أصبحت تحت المراقبة، وأنه لم يعد بمنأى عن التهديد حتى خارج الأراضي الأوكرانية.

وبحسب المعلومات المتداولة، أدّى الإنذار الأمني وإجراءات التحقّق من طبيعة التهديد إلى تأخير إقلاع طائرة زيلينسكي لمدّة تقارب ساعة ونصف الساعة، بينما سارعت السلطات المولدوفية إلى تفعيل إجراءات الطوارئ وتشديد المراقبة الجوّية واتخاذ تدابير استثنائية لحماية الرحلة الرئاسية قبل السماح لها بمغادرة البلاد.

ووصل زيلينسكي لاحقًا إلى أوسلو، لكن القضية لم تنتهِ عند هذا الحد. فقد أثارت تصريحات رئيس الوزراء النروجي يوناس غار ستوره اهتمامًا واسعًا بعدما أكد أن طائرة الرئيس الأوكراني واجهت تهديدًا أمنيًا بالغ الخطورة قبيل الإقلاع، مشيرًا إلى أن الوضع كان أكثر خطورة ممّا ظهر للرأي العام في الساعات الأولى للحادثة.

ورأى عدد من المسؤولين والمحلّلين الغربيين أن الحادثة تُمثّل مؤشرًا إلى مرحلة جديدة من التصعيد الروسي، إذ لم تعد الرسائل العسكرية تستهدف البنية التحتية أو المواقع العسكرية فحسب، بل باتت تطول رموز الدولة الأوكرانية وقيادتها السياسية بشكل أكثر وضوحًا. كما اعتبر البعض أن مجرّد اضطرار دولة مثل مولدوفا إلى التعامل مع تهديد من هذا النوع أثناء وجود رئيس دولة مجاورة على أراضيها يكشف حجم التوسّع الجغرافي للمخاطر الناتجة عن الحرب.

في المقابل، تعاملت كييف بحذر مع الرواية المتداولة حول الحادثة. فبينما لم تنفِ وجود تهديد أمني حقيقي، تجنّبت وصف الواقعة بأنها محاولة مباشرة لاستهداف زيلينسكي، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها جزء من سياسة أوكرانية تهدف إلى عدم إظهار الرئيس الأوكراني كأنّه محاصر أو عاجز عن مواصلة نشاطه الدبلوماسي وتحرّكاته الدولية بسبب الضغوط الروسية.

أما مولدوفا، التي تجد نفسها منذ سنوات في موقع حسّاس بين روسيا والغرب، فقد وجدت نفسها مجدّدًا في قلب التوتّرات الإقليمية، إذ إن اختراق أجوائها خلال وجود زيلينسكي على أراضيها شكّل اختبارًا أمنيًا حقيقيًا لسلطاتها، وأعاد إلى الواجهة المخاوف من انتقال تداعيات الحرب إلى دول الجوار بصورة أكثر مباشرة.

وتعكس حادثة كيشيناو تحوّلًا لافتًا في طبيعة المواجهة بين موسكو وكييف. فالمعركة لم تعد تقتصر على الجبهات العسكرية، بل باتت تشمل المجال الجوّي للدول المجاورة وحركة القادة السياسيين ومسارات الطيران الرئاسي. كما تؤكد أن أيّ تحرّك دولي للرئيس الأوكراني أصبح يخضع لحسابات أمنية معقّدة، في ظلّ قدرة المسيّرات والصواريخ بعيدة المدى على تجاوز الحدود وخلق أزمات أمنية خلال دقائق.

وبالنسبة إلى كثير من المراقبين، فإنّ تأخير طائرة زيلينسكي لنحو ساعة ونصف الساعة بسبب تهديد أمني مرتبط بمسيّرة روسية ليس مجرّد تفصيل بروتوكولي، بل مؤشّر واضح إلى أن الحرب دخلت مرحلة أكثر خطورة، أصبحت فيها الرسائل العسكرية والسياسية تُرسل عبر الأجواء، وأن أمن القادة بات جزءًا من ساحة المواجهة المفتوحة بين روسيا وأوكرانيا.