ضيّقت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخيارات المتاحة أمام النظام الإيراني في صراعه مع واشنطن، خصوصًا بعدما بدأت نتائج الحصار البحري الأميركي والعقوبات الاقتصادية الخانقة على إيران تفاقم أزمات الملالي المتوجّسين من غضب شعبهم المقموع، بينما استطاع الجيش الأميركي تقليص قدرة "الحرس الثوري" على تهديد الملاحة في مضيق هرمز إلى حدّ كبير. لذلك، اضطرّت طهران إلى لعب "ورقة الحوثي"، في محاولة يائسة لتعويض خسائرها في الضفة الشرقية من الخليج، من خلال وكلائها اليمنيين الإرهابيين في ضفته الغربية. يحاول الحوثيون فرض سيطرتهم على المناطق المتاخمة لمضيق باب المندب الحيوي والجزر الاستراتيجية في البحر الأحمر، بهدف منح طهران ورقة حيوية تمكّنها من فرض كلفة إضافية على ترامب قبيل الانتخابات النصفية المقرّر إجراؤها في تشرين الثاني المقبل.
ورغم التقدّم الميداني الاستراتيجي الذي حقّقه الحوثيون في هذا الصدد على حساب قوّات الحكومة اليمنية الشرعية أمس، من المرجّح أن يأتي هذا التقدّم بنتائج عكسية، إذ إن منع وقوع باب المندب والبحر الأحمر بين مخالب الحوثيين وإيران ليس في مصلحة الحكومة اليمنية فحسب، بل هو في مصلحة الدول العربية والمجتمع الدولي، الأمر الذي شدّد عليه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي خلال لقائه السفير المصري لدى بلاده. انطلاقًا من ذلك، لا يُمكن استبعاد أن يؤدّي استمرار تقدّم الحوثيين نحو السيطرة على باب المندب إلى تدخّل عسكري عربي أو أميركي، الأمر الذي قد يحرق آخر أوراق النظام الإيراني المتبقية.
استطاع الحوثيون السيطرة على مدينة المخا الساحلية الاستراتيجية في جنوب غرب اليمن أمس، ثم وصلوا إلى جزر زقر وحنيش الكبرى والصغرى في جنوب البحر الأحمر، فيما أعادت قوّات الحكومة اليمنية وحلفاؤها التموضع جنوبًا على ساحل البحر الأحمر نحو مدينة ذوباب التي تقع مباشرة على مضيق باب المندب مقابل جزيرة بريم. وتُعتبر السيطرة على ذوباب وبريم أمرًا أساسيًا للتحكّم في باب المندب، لذلك قد يشكّل اقتراب الحوثيين من السيطرة عليهما خطًا أحمر بالنسبة إلى الدول العربية المعنية وأميركا، بينما ادّعى الحوثيون أن حرّية الملاحة وأمنها في البحر الأحمر وباب المندب "ليس عليهما أي خطر من جهة اليمن"، زاعمين أنه "متى ما توقّف العدوان على اليمن ورُفع الحصار عنه، ستتوقّف العمليات الحالية". وادّعوا أن الرياض شنّت عشرات الغارات ضدّهم خلال الـ 24 ساعة الأخيرة.
في الغضون، كشفت وكالة "رويترز"، نقلًا عن مصادر حكومية يمنية وأخرى إيرانية، أن التقدّم الخاطف للحوثيين جاء بتوجيه مباشر من "الحرس الثوري"، الذي يسعى إلى فتح جبهة جديدة في الحرب مع واشنطن. وأوضحت أن الجهود الإيرانية يقودها عبد الرضا شهلائي، وهو قائد كبير في "الحرس". وأقرّ مسؤول إيراني بأن تحرّك الحوثيين للسيطرة على المخا صبّ في مصلحة إيران عبر تأجيج التوتّر ورفع أسعار النفط، بما يلحق الضرر بواشنطن والرياض، في وقت ارتفعت فيه العقود الآجلة للنفط الخام مجدّدًا لتبلغ 107.63 دولارات للبرميل عند التسوية أمس.
وبعدما كان الحوثيون قد استهدفوا السعودية بهجمات إرهابية هذا الأسبوع، كشف مصدران إيرانيان أن طهران طلبت من الحوثيين الأسبوع الماضي مهاجمة السعودية، ووعدتهم بتمويل وأسلحة إضافية، وسافر عدد من قادة "الحرس" إلى اليمن للمساعدة في تنسيق الهجمات. وأفاد مسؤول إيراني كبير لـ "رويترز" بأن باكستان نقلت رسالة من الرياض إلى طهران الثلثاء، تحضّها على كبح جماح الحوثيين، لكن طهران زعمت أنها "لا تسيطر" عليهم. وأوضحت باكستان أنه لا توجد محادثات بشأن تحرّك عسكري من جانبها بموجب اتفاقية مكة للدفاع المشترك، ردًا على هجمات الحوثيين على السعودية، لكنها تعهّدت بأنها "ستتحرّك" عندما "يحين الوقت".
أما على الضفة الأخرى من الخليج، فلا يزال الصراع الأميركي - الإيراني المباشر بعيدًا من خواتيمه، إذ تستمرّ الضربات المتبادلة بشكل متقطّع بين الطرفين، بينما يبدو أن ترامب قد يضطرّ إلى شنّ ضربات جديدة تستهدف البرنامج النووي والقدرات الصاروخية في إيران. بالفعل، كشف الرئيس الأميركي أن بلاده رصدت "وجود بعض النشاط" في "جبل الفأس" في إيران، الذي يحتوي على منشأة نووية محصّنة ويقع قرب مجمع نطنز النووي. وأكد مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رفاييل غروسي أن صور الأقمار الاصطناعية تشير إلى تحرّكات جديدة في "جبل الفأس".
وكشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن إيران استأنفت إنتاج الصواريخ الباليستية في منشآت تحت الأرض، لكن يجري تجميع الصواريخ بأعداد محدودة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الحرب. وأفاد مسؤول أميركي لـ "رويترز" بأن ضربات إيرانية ألحقت أضرارًا بطائرات عسكرية أميركية عدّة في قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن الثلثاء. وكشف أن القوّات الأميركية اضطرّت إلى إطلاق نحو 30 صاروخًا اعتراضيًا من طراز "باتريوت" للتصدّي للصواريخ الإيرانية، وسط قلق متزايد بشأن مخزونات أميركا من صواريخ الدفاع الجوي الاعتراضية وصواريخ أخرى.
وفيما تشتدّ الضغوط الاقتصادية على إيران من جرّاء عملية "المنبوذ الاقتصادي" والحصار البحري الأميركي، يبدو أن طهران استخدمت، خلال السنوات الماضية، ترتيبًا يشبه المقايضة للالتفاف على العقوبات المفروضة على مبيعاتها النفطية وشراء سلع من الصين بمليارات الدولارات، بما في ذلك معدات عسكرية، وفقًا لـ "رويترز". بالتوازي، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات جديدة على أشخاص وكيانات داعمة لـ "حزب الله" اللبناني و"كتائب حزب الله" العراقية، من بينهم عراقيون ولبنانيون.
إسرائيليًا، نشر وزير الدفاع يسرائيل كاتس مقطع فيديو موجّهًا إلى اليهود الإيرانيين بمناسبة رأس السنة اليهودية، قال فيه: "العام المقبل في طهران محرّرة من القمع والاستبداد". وحذّر كاتس النظام الإيراني من أن "أيّ هجوم على إسرائيل، لأيّ سبب كان ومن أيّ مكان، سيُقابل بردّ قوي، بما في ذلك ضرب منشآت الطاقة الرئيسية" في إيران.