المحرر الاقتصادي

مرفأ بيروت يستعيد طموحه الإقليمي: نقطة اتصال بين أسيا وأوروبا والمشرق

9 دقائق للقراءة

في لحظة إقليمية يُعاد فيها رسم خريطة التجارة والممرات البحرية، جاء وضع حجر الأساس لتوسعة محطة الحاويات في مرفأ بيروت ليحمل أكثر من دلالة. المشروع الذي تستثمر فيه مجموعة CMA CGM نحو 100 مليون دولار يرفع قدرة المحطة إلى 3 ملايين حاوية سنوياً، ويعيد طرح بيروت كمنافس في حركة الترانزيت وإعادة التصدير في شرق المتوسط. وفي ظل اضطراب مضيقي هرمز وباب المندب، تتزايد قيمة المرافئ القادرة على توفير بدائل وخدمات لوجستية موثوقة بين الشرق والغرب.

لم يكن المشهد في مرفأ بيروت، أمس، مجرد مناسبة لوضع حجر الأساس لمشروع توسعة محطة الحاويات، بل بدا أقرب إلى إعلان عن محاولة إعادة إدخال المرفأ إلى خريطة المنافسة الإقليمية. بعد سنوات من الأزمة الاقتصادية وانفجار الرابع من آب 2020، يأتي استثمار بقيمة 100 مليون دولار من مجموعة CMA CGM لتوسيع محطة الحاويات وتحديث بنيتها التحتية، في وقت تعاد فيه صياغة طرق التجارة العالمية والإقليمية تحت تأثير التطورات الجيوسياسية.

تقضي الخطة برفع مساحة ساحات المحطة من نحو 45 هكتاراً إلى ما يقارب 75 هكتاراً، وزيادة قدرتها الاستيعابية من نحو 1.2-1.3 مليون حاوية نمطية سنوياً إلى 3 ملايين حاوية، على أن تنجز الأعمال خلال 16 إلى 18 شهراً، مع استهداف استكمال القدرة بالكامل في 2028. وتشمل الاستثمارات رصيفاً جديداً، ومساحات تخزين إضافية، ورافعات متحركة، وبوابة آلية جديدة ومنطقة تفتيش جمركي مجهزة بأجهزة كشف آلية، إضافة إلى معدات مناولة هجينة وموفّرة للطاقة.

أهمية المشروع لا ترتبط فقط بحجم الاستثمار أو زيادة عدد الحاويات. مرفأ بيروت هو إحدى البوابات القليلة على الساحل الشرقي للمتوسط التي يمكن أن تؤدي دوراً في خدمة الأسواق اللبنانية والأسواق المجاورة، ولا سيما سوريا والعراق، وأن تشكل نقطة اتصال بين خطوط الملاحة القادمة من آسيا وأوروبا وبين الأسواق الداخلية في المشرق.

وهنا تحديداً تكتسب إدارة CMA CGM لمحطة الحاويات أهمية إضافية. فالمجموعة ليست مجرد شركة شحن بحري، بل تعمل عبر منظومة متكاملة تشمل النقل البحري والموانئ والخدمات اللوجستية والنقل البري والسكك الحديدية. وهي تدير عبر ذراعها المتخصصة محطات ومرافق مرفئية حول العالم، وتخدم 420 ميناءً من أصل 521 ميناءً تجارياً عالمياً، ولديها أكثر من 650 سفينة و250 خطاً ملاحياً، فيما يعمل لديها نحو 160 ألف شخص.

وفي لبنان تحديداً، تتمتع المجموعة بحضور عميق وراسخ، وتقول CMA CGM إن وجودها في البلاد يمتد منذ 46 عاماً، وإنها تدير أكثر من 40% من أحجام المناولة في محطتي الحاويات في بيروت وطرابلس، مع أكثر من 2,600 موظف.


أزمة الممرات ترفع قيمة المتوسط

تأتي توسعة مرفأ بيروت في توقيت مختلف تماماً عن ذلك الذي كان سائداً عند وضع خطط المرافئ قبل سنوات. فقد أصبحت سلامة الممرات البحرية واستمرارية سلاسل الإمداد جزءاً أساسياً من القرار اللوجستي العالمي.

فمضيق هرمز، الذي كان تمرّ عبره قبل الأزمة نحو 125 سفينة تجارية يومياً، يشهد حالياً تراجعاً حاداً في حركة العبور. وفي الوقت نفسه، بقي مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بقناة السويس، عرضة لمخاطر أمنية وجيوسياسية متزايدة.

هذه التطورات لا تعني تلقائياً أن مرفأ بيروت سيصبح بديلاً عن هرمز أو باب المندب، ولا أن حركة التجارة العالمية ستتحول إليه. لكنّها تبرز قيمة الموانئ الواقعة على شرق المتوسط، خصوصاً تلك القادرة على تقديم خدمات متطورة وربط البحر بالأسواق البرية.

وتدرك شركات الشحن الكبرى أن المنافسة المقبلة لن تكون فقط بين المرافئ على أساس قربها الجغرافي، بل على أساس قدرتها على أن تكون عقداً متكاملة في شبكات النقل العالمية: سرعة المناولة، كفاءة التخليص، التخزين، الأمن والسلامة، الربط البري، والخدمات اللوجستية.

وهذا ما يفسر أهمية أن تكون CMA CGM، إحدى أكبر مجموعات النقل البحري واللوجستيات في العالم، شريكاً أساسياً في هذه المرحلة من تطوير محطة بيروت.

سلام: المرفأ بوابة لبنان إلى المنطقة

وفي مراسم وضع حجر الأساس، أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن طموح الحكومة هو أن يستعيد مرفأ بيروت دوره في حركة الترانزيت وإعادة التصدير، وأن يصبح مجدداً مركزاً لوجستياً متقدماً في شرق المتوسط يخدم لبنان والدول العربية المجاورة، ويستفيد من إعادة تشكل سلاسل الإمداد وتطور التجارة الإقليمية.

وقال إن توسعة محطة الحاويات لا تعني افتتاح توسعة إضافية فحسب، بل "فتح نافذة جديدة للبنان على العالم"، معتبراً أن الهدف هو استعادة المرفأ موقعه الطبيعي كواحد من أبرز مرافئ شرق البحر المتوسط وأحد روافد الاقتصاد اللبناني.

واستعاد سلام الدور التاريخي للمرفأ باعتباره صلة وصل بين الشرق والغرب، مشيراً إلى أن بيروت تحولت مع توسع تجارتها إلى بوابة لدمشق وبلاد الشام والعراق وما وراءها، وأن المرفأ شكل طوال عقود حلقة وصل بين البحر والداخل وبين الاقتصاد اللبناني والأسواق الإقليمية والدولية.

لكن رئيس الحكومة شدد في المقابل على أن الموقع الجغرافي لم يعد كافياً. "الجغرافيا تمنحنا فرصة، لكنها لا تضمن لنا النجاح"، قال سلام، مشيراً إلى أن المنافسة بين مرافئ شرق المتوسط باتت تقوم على الإدارة الرشيدة، وسرعة إنجاز المعاملات، وشفافية الإجراءات، والتكنولوجيا الحديثة، والبنية التحتية وشبكات النقل.


العمق السوري والإقليمي

لا يمكن لمرفأ بيروت أن يستعيد دوره الإقليمي إذا بقي منفصلاً عن عمقه البري. وهذه النقطة حضرت بوضوح في كلام سلام الذي أشار إلى ضرورة تطوير الطرق المؤدية إلى المرفأ، ومعالجة الازدحام عند مداخله، والعمل على شبكة للسكك الحديدية والأنفاق وإنشاء مرافئ جافة تربطه بداخل لبنان ومحيطه.

وكشف أن الحكومة باشرت إعداد دراسة حول وصل المرفأ بالبقاع عبر نفق وخط للسكك الحديدية، معتبراً أن المرفأ الذي ينقطع عن عمقه البري يفقد جزءاً كبيراً من قيمته الاستراتيجية، فيما يتحول المرفأ المرتبط بشبكة نقل متكاملة إلى منصة إقليمية للنمو والاستثمار.

وهذه النقطة تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى لبنان في ظل التحولات التي تشهدها سوريا والمنطقة. فإذا أعيد فتح طرق التجارة البرية بين المتوسط وبلاد الشام، فإن بيروت يمكن أن تكون إحدى البوابات البحرية التي تخدم الأسواق السورية، إلى جانب دور مرفأ طرابلس.

أصول استراتيجية

في هذا السياق، شدد وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني على أن الحكومة لا تريد التعامل مع المرافئ كمرافق تدار يوماً بيوم، بل كأصول استراتيجية يمكن من خلالها استعادة الدور الاقتصادي للبنان.

وقال إن الوزارة تنظر إلى مرفأ بيروت ضمن منظومة تشمل المرافئ الأخرى والمطار والطرق والسكك الحديدية والمعابر البرية، وإن الهدف هو تحويل موقع لبنان على البحر المتوسط إلى قيمة اقتصادية فعلية.

وأكد رسامني أن التعاون مع CMA CGM يتجاوز تشغيل محطة حاويات أو تنفيذ استثمار واحد، معتبراً أن المجموعة تمثل واحدة من أكبر مجموعات النقل واللوجستيات في العالم، وتمتلك شبكة دولية وخبرة في المنطقة ولبنان. وأشار إلى العمل على إمكانات الربط السككي مع سوريا وإعادة تفعيل خط الحجاز، إضافة إلى البحث في موقع لبنان ضمن مشاريع الربط الإقليمي والدولي مثل الممر الاقتصادي الهندي-الشرق الأوسط-أوروبا (IMEC).


سباق المرافئ المتوسطية

أما رئيس مجلس إدارة واستثمار مرفأ بيروت المدير العام مروان النفي، فوصف المشروع بأنه المرحلة الثالثة والأكبر في تاريخ محطة الحاويات، معتبراً أن التوسعة تؤسس لمرحلة جديدة يستعيد فيها المرفأ قدرته على النمو والمنافسة ودوره في خدمة لبنان والمنطقة.

وأشار إلى أن التوسعة سترفع مساحة المحطة إلى نحو 75 هكتاراً وقدرتها الاستيعابية إلى 3 ملايين حاوية نمطية سنوياً بحلول 2028، بما ينقل محطة الحاويات إلى مصاف أكبر محطات الحاويات في البحر المتوسط، ويعزز موقع مرفأ بيروت كمركز لوجستي رئيسي للمنطقة.

ولفت النفي إلى أن عام 2028 يحمل رمزية خاصة، إذ يتزامن إنجاز التوسعة، وفق الخطة، مع استضافة بيروت الجمعية العامة لمرافئ البحر المتوسط، بما يعيدها إلى موقع الملتقى للمرافئ المتوسطية.


سعادة: استثمار طويل الأمد

من جهته، أكد رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة CMA CGM رودولف سعادة أن المجموعة اختارت الاستثمار في بيروت عام 2022، عندما كان المرفأ خارجاً من مرحلة بالغة الصعوبة وعلى حافة التوقف.

وقال إن المجموعة، انطلاقاً من إيمانها بلبنان وبمحطة الحاويات، عملت على تعزيز قدراتها وتجهيزها بالمعدات والخبرات اللازمة، مضيفاً أن حركة المحطة شهدت خلال السنوات الأربع الماضية نمواً كبيراً وتحسناً ملحوظاً، وأنها باتت تقترب من بلوغ الحد الأقصى لقدرتها الحالية.

أضاف سعادة أن محطة الحاويات يجب أن تكون محوراً إقليمياً فاعلاً في حركة التجارة العالمية، في وقت تتغير فيه سلاسل الإمداد وتتبلور ممرات لوجستية جديدة، مشيراً إلى أن الموانئ الكبرى في المتوسط والشرق الأوسط تستثمر بكثافة.

وأكد أن المجموعة ستضع إمكاناتها في خدمة هذا الطموح، وأن استثمار الـ100 مليون دولار سيخصص للحد من الازدحام وزيادة الطاقة الاستيعابية وإنشاء رصيف جديد ورافعات ومساحات تخزين، وتعزيز الموثوقية والسلامة، إضافة إلى اعتماد معدات من الجيل الجديد وأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة.


من الحاويات إلى اقتصاد البحر

إذا كان مشروع توسعة محطة الحاويات هو الاستثمار الأكثر مباشرة اليوم، فإن الرهان الأبعد يتمثل في تحويل مرفأ بيروت إلى منصة تخدم اقتصاداً إقليمياً يتجاوز حركة الاستيراد والتصدير اللبنانية.

فالمرفأ يمكن أن يكون نقطة عبور للبضائع المتجهة إلى سوريا والعراق، ومركزاً لإعادة التصدير، ومكوناً في شبكة لوجستية تربط الساحل اللبناني بالداخل المشرقي. كما يمكن، على المدى الأبعد، أن يستفيد من أي عودة لمشاريع التنقيب عن النفط والغاز في المياه اللبنانية، سواء عبر الخدمات اللوجستية المرتبطة بقطاع الطاقة أو تخزين المعدات والإمدادات والخدمات البحرية، وإن كان ذلك يتوقف بطبيعة الحال على عودة النشاط الاستكشافي وتوافر اكتشافات تجارية وتطوير الحقول.

من هنا، فإن مستقبل مرفأ بيروت لا تحدده مساحة محطة الحاويات وحدها. النجاح يتطلب طريقاً وسكة حديد ومرافئ جافة وجمارك أكثر كفاءة، وربطاً أفضل مع الداخل والأسواق المجاورة، إلى جانب إدارة حديثة وقواعد واضحة ومستقرة.