ليست كل خسارة هزيمة، وليس كل باب أُغلق في وجوهنا كان شرًّا لنا.
أحيانًا لا نفهم النجاة إلا بعد أن نعبرها، ولا ندرك قيمة ما غادر من حياتنا إلا حين نرى ما تركه رحيله من مساحة للنور…
يقول شمس التبريزي:
«دائمًا يقتلع الله جذورك من أرض اعتدتها ليزرعك في تربة أنقى، فتظن أنك فقدت، بينما الحقيقة أنك بدأت تنبت من جديد.»
ومن لطف الحياة بنا أن تُسقط من أعيننا بعض ما كنا نعظّمه، لا لتحرمنا مما أحببنا، بل لتحرّرنا مما ظننا يومًا أننا لا نستطيع العيش بدونه…
فكم من شيء رفعناه في قلوبنا حتى ظنناه قدرًا، وكم إنسان منحناه من التقدير ما ليس له، وكم من حلم تشبثنا به حتى صار سقوطه في أعيننا كأنه سقوط لجزء منا.
ثم يأتي التغيير خفيًّا، لا يشبه ما نتوقّع… فيكشف لنا الوجوه على حقيقتها، ويُسقط عن الأشياء هالتها، ويعيدها إلى حجمها الطبيعي بعد أن كبَّرها خوفنا… وحاجتنا… وتعلّقنا… ووهم القلب حين يحب أكثر مما ينبغي.
ولعل أقسى ما تفعله أشكال الرحمة بنا أن تجعل الشيء الذي كنا نخشى فقدانه يخبو بريقه في أعيننا، قبل أن نفقده من أيدينا.
أن نستيقظ ذات صباح، فنجد أن ما كان يحتل حيزًا هائلًا من أرواحنا قد صار عابرًا، وأن الاسم الذي كنا نرتبك لذكره لم يعد يملك القدرة ذاتها علينا، وأن الباب الذي وقفنا طويلًا أمامه نستجدي فتحه، لم نعد نرغب حتى في الدخول منه.
وهناك نفهم أن بعض الانكسارات لم تكن عقوبة… وأن بعض الخيبات لم تكن نهاية… وأن بعض الخسارات كانت عملية إنقاذ هادئة لم ندركها في وقتها.
ولعل من أعظم أشكال التعافي أن تتبدل مقاييس القلب… أن نرى ما كنا نراه عظيمًا صغيرًا، وما كنا نراه نهاية مجرد طريق أُغلق، وما كنا نظنه نجاة… ندرك أنه كان استنزافًا طويلًا متنكرًا في هيئة حب.
فالحياة لا تُبعد عنا دائمًا ما نريده، لكنها أحيانًا قد تغيّر قلوبنا تجاهه، حتى لا نعود إليه ولو بقي الطريق مفتوحًا.
وهذه من أعمق صور العافية: ألّا نضطر إلى كراهية ما أحببنا، ولا إلى الانتقام ممن خذلنا، ولا إلى إثبات أننا كنا على حق…
يكفي أن ننظر إلى الأمر بعد زمن، ونقول في هدوء يشبه اليقين:
ربما كان ما حدث أكثر رحمة بنا مما استطعنا فهمه آنذاك.
فما حسبناه يومًا خسارة… ربما كان استردادًا لروحنا…
وما ظنناه حرمانًا… ربما كان حماية…
وما بكينا لأنه انتهى… قد نفهم يومًا أن نهايته كانت تلك المساحة التي احتجنا إليها لتبدأ في داخلنا حياة أخرى…
وحين يحدث ذلك، لا نكن قساة على أنفسنا لأننا لم نفهم منذ البداية…
فبعض الحِكَم لا تُقرأ في لحظة الألم… بل بعد أن نبتعد قليلًا عن المشهد.
وحينها فقط، ننظر إلى الوراء لنكتشف أن اليد التي ظنناها تنتزعنا من جذورنا، كانت في الحقيقة تنقذنا من أرض لم تعد تصلح لنا.
فنمتن، بهدوء، لكل ألم يكتمل…
لكل باب أُغلق…
لكل يد أفلتتنا…
لكل حقيقة جاءت متأخرة…
لكل خيبة نزعت عن أعيننا وهمًا كنا نسميه أملًا…
ولكل ما أبكانا طويلًا، ثم جعلنا بعده نبتسم لأننا أدركنا أخيرًا:
لم نكن نفقد حياتنا…
كنا نُعاد… ببطء لا نفهمه، إلى المكان الذي يليق بنا…
وربما كان كل ما حدث، بكل قسوته الظاهرة، مجرد طريقة هادئة لتقول لنا الحياة:
لم آخذ منك حياتك…
كنتُ أنقذك من حياة لم تعد تليق بك…