بعد 25 عامًا... أميركا لا تزال تقاتل

4 دقائق للقراءة

بعد ربع قرن، عادت أميركا أمس إلى صباح 11 أيلول كمن يعود إلى جرح عميق غيّر مسار حياته ومسار العالم بأسره. في نيويورك، حيث ما زالت ذاكرة البرجين تسكن مانهاتن، حملت الذكرى الـ 25 ثقل الغياب ووطأة الزمن. عند "غراوند زيرو"، قرأ أفراد عائلات الضحايا الأسماء واحدًا تلو الآخر، فيما كان رنين الجرس يشقّ الصمت عند اللحظات المفصلية للهجمات. أسماء، صور وذكريات تختصر يومًا سقط فيه 2977 شخصًا، وبدأت معه مرحلة جديدة في تاريخ أميركا والعالم. وكان نائب الرئيس جيه دي فانس، وأسلاف الرئيس ترامب الأربعة الذين لا يزالون على قيد الحياة، يتجمعون في مانهاتن السفلى. وقبل المراسم، ارتفع عرض للمسيّرات فوق ميناء نيويورك مستخدمًا 2977 ضوءًا، ضوءًا واحدًا لكلّ ضحية، في مشهد بدا كأن المدينة تستعيد أبناءها إلى سمائها للحظات.

على بعد مئات الكيلومترات، كان المشهد في البنتاغون يحمل رسالة أخرى. هناك، حيث اصطدمت إحدى الطائرات المخطوفة وقتلت 184 شخصًا، وقف ترامب ليضع ذكرى 11 أيلول في قلب الصراع الأميركي الراهن. وصف الهجمات بأنها "لحظة من الشر الهائل والمروّع"، وقال إن الزمن "لم يخفّف من شأن ذلك اليوم الذي وجدت فيه بلادنا نفسها وجهًا لوجه أمام الشر الحقيقي". ثمّ نقل الذكرى مباشرة إلى الحاضر: "اليوم نجدّد القسم المقدّس الذي أقسمناه للمرّة الأولى باسمهم قبل ربع قرن. لن ننسى أبدًا، أبدًا. ولهذا نقاتل اليوم".

بهذه الكلمات، أعاد ترامب رسم خط متصل بين الحرب التي خاضتها أميركا ضد "القاعدة" بعد 2001 والحرب الدائرة اليوم مع إيران. بالنسبة إليه، تبدّل العدو وبقيت المعركة واحدة في جوهرها: حماية أميركا من الإرهاب ومن القوى التي تهدّد أمنها. لذلك، حيّا العسكريين الذين خدموا في "الحرب على الإرهاب"، وأتبع ذلك بتحية الجنود الذين يعملون اليوم لضمان ألّا تمتلك "جمهورية إيران الإسلامية، الراعية الأولى للإرهاب في العالم، سلاحًا نوويًا أبدًا". وأضاف بلهجة واثقة: "نحن نخضع للاختبار اليوم، ونحن نفوز في هذا الاختبار بسهولة كبيرة".

حمل وزير الحرب بيت هيغسيث الرسالة نفسها بعبارات أكثر حدّة. فأكد أن البنتاغون يبقى "يقظًا على الدوام" تجاه "الأعداء الذين يكرهوننا"، وقال: "ما زلنا نرسل الإرهابيين إلى المكان الذي ينتمون إليه، إلى الجحيم، والناقلات إلى قاع المحيط حيث تنتمي، ونضمن ألّا تمتلك إيران سلاحًا نوويًا أبدًا". وتحدّث عن قوّات أميركية واجهت خلال الأشهر الماضية "ثيوقراطية إسلامية تتمنّى لنا الموت منذ ما يقارب نصف قرن". في خطابه، ظهرت إيران امتدادًا مباشرًا لسردية 11 أيلول: تهديد يتطلّب القوّة، والردع، واستعدادًا طويل الأمد للمواجهة.

لكن هيغسيث أعاد الذكرى أيضًا إلى بعدها الإنساني، إذ اعتبر أن جيلًا واسعًا من العسكريين الأميركيين اليوم لم يكن أفراده قد ولدوا بعد في عام 2001. لذلك، حمّل من عاشوا ذلك اليوم مسؤولية إبقاء الذاكرة حيّة، قائلًا: "هذا يترك لنا، في هذا اليوم وفي أيام أخرى مثله، مسؤولية نقل تلك الذكرى إلى أبنائنا". وهكذا تحوّل 11 أيلول، في البنتاغون، إلى ذاكرة تُورَّث وعقيدة أمنية تستمرّ من جيل إلى آخر.

وتجاوز صدى الذكرى ساحات الحرب الخارجية إلى قلب المواجهة السياسية الأميركية. وقبل يوم من الذكرى، وأمام المؤتمر الجمهوري، شنّ فانس هجومًا حادًا على الديموقراطيين، واصفًا إيّاهم بـ"حزب الكراهية"، ومتّهمًا إيّاهم بأنهم "يحتقرون أميركا والأشخاص الذين بنوها" وقادرون على إبداء "تعاطف مع الإرهابيين الذين نفذوا هجمات 11 أيلول". مزج فانس بين الأمن والهوية والعائلة والقيم التقليدية، وقدّم انتخابات تشرين الثاني كمعركة على طبيعة أميركا نفسها.

وفي خلفية المشهد، بدا الرجل البالغ 42 عامًا كأنّه يُمهّد أمام الحزب والجمهور لدور أكبر. فخطابه جاء قبل كلمة ترامب مباشرة، والهتافات باسمه عكست موقعًا يتجاوز منصب نائب الرئيس. وبين الانتخابات النصفية هذا العام واستحقاق 2028، ظهر فانس كأحد أبرز المرشّحين لحمل راية "ماغا" بعد ترامب.