تحيي جامعة "وادي يوتا" اليوم الذكرى الأولى لاغتيال الناشط اليميني المحافظ تشارلي كيرك، الذي قُتل خلال إحيائه فعالية سياسية في حرمها. كان كيرك أحد أبرز النجوم الصاعدين في الحركة المحافظة، ورغم صغر سنّه، استطاع "صانع الملوك"، من خلال منظمته "تيرنينغ بوينت يو أس أيه"، بناء آلة تنظيمية وسياسية هائلة، أدّت دورًا مهمًا في تعبئة القاعدة المحافظة الشابة ومساعدة دونالد ترامب على العودة إلى البيت الأبيض في انتخابات 2024. تمكّن كيرك من تحويل الحركة المحافظة من مجرّد مجموعة أفكار إلى ائتلاف سياسي حيّ، إذ أبدع في بناء الجسور بين التيارات اليمينية المختلفة وإقناع الشباب بأن السياسة ليست حكرًا على النخب.
لم يكن يوم 10 أيلول 2025 استثنائيًا بالنسبة إلى كيرك، فقد كان يحيي فعالية سياسية داخل جامعة "وادي يوتا"، يناظر خلالها طلابًا حول مواضيع سياسية مختلفة، الأمر الذي اشتهر به على مدى سنوات. لكن الحقد الذي ولّدته أيديولوجيات يسارية متطرّفة عبّر عن نفسه بأبشع أشكاله في ذاك اليوم المشؤوم، عندما قرّر الشاب تايلر روبنسون، الذي كان في علاقة عاطفية مع شاب آخر كان في طور "التحوّل من ذكر إلى أنثى"، الصعود إلى سطح مبنى مقابل المكان الذي كان يجلس فيه كيرك، ثمّ إطلاق النار على الأخير بواسطة بندقية. وقضى القاضي طوني غراف، المشرف على قضية روبنسون، بأن الأدلّة التي قدّمها الادعاء في ولاية يوتا كافية لإحالة القضية إلى المحاكمة، بينما دفع روبنسون ببراءته.
تشير أوراق القضية إلى أن روبنسون قد كتب، بُعيد ارتكاب الجريمة، في رسالة إلى شريكه العاطفي تشرح سبب اغتياله كيرك، أن "بعض الكراهية لا يمكن التفاوض معها". المفارقة المؤلمة أن هذه الجملة تختصر بالضبط سبب إيمان كيرك بأهمية النقاش المفتوح، فقد كان يرى أن المجتمع الحرّ لا يمكن أن يستمرّ إذا تحوّلت الخلافات الفكرية إلى كراهية تجعل الحوار مستحيلًا والعنف سبيلًا مقبولًا للبت في الخلافات السياسية. كان مَن لا يحمل شهادة جامعية يقصد الجامعات، ويدعو أشدّ خصومه إلى النقاش، ويجادلهم علنًا، مؤمنًا بأن الأفكار تُواجَه بالأفكار لا بالرصاص. وفي هذا المعنى تحديدًا، كانت حياته السياسية تجسيدًا للفكرة التي دافع عنها حتى النهاية.
اليوم، تقف إيريكا كيرك، أرملة تشارلي ووالدة طفليه، على رأس "تيرنينغ بوينت"، وقد شهدت المنظمة نموًا كبيرًا منذ اغتيال زوجها، بما في ذلك ارتفاع عدد فروعها في المدارس والجامعات. كما وجد كثيرون، في أعقاب المأساة، طريقًا متجدّدًا إلى الإيمان المسيحي، الذي بشّر به كيرك بشغف استثنائي طوال حياته. ومن المتوقّع أن تؤدّي "تيرنينغ بوينت" دورًا مهمًا في حملة الجمهوريين للحفاظ على غالبيتهم في مجلسي الشيوخ والنواب في الانتخابات النصفية في تشرين الثاني المقبل. بالفعل، تجمع المنظمة أموالًا للحملات السياسية أكثر من أي وقت مضى، فقد تجاوز جمع التبرّعات لدى المنظمة المستويات القياسية التي سُجّلت خلال دورة انتخابات 2024، إذ جمعت "تيرنينغ بوينت" 7 ملايين دولار في ذلك العام تحت قيادة كيرك. أما هذا العام، ومع بقاء أقلّ من شهرين على انتخابات التجديد النصفي، فقد جمعت 9 ملايين دولار.
وفضلًا عن مسؤولية حمل إرث كيرك، اضطرّت إيريكا إلى تحمّل اتهامات ونظريات حول اغتيال زوجها لا تستند إلى أي أدلّة، خصوصًا من المعلّقة السياسية كانديس أوينز، التي اتهمت إيريكا و"تيرنينغ بوينت" وإسرائيل وفرنسا ومصر وغيرها من الجهات بالتآمر لاغتيال كيرك. للأسف، تتمتّع أوينز بعدد كبير من المتابعين، الذين يكوّنون قناعات حول القضية بناءً على روايات خرافية مثيرة تقدّمها أوينز. المؤلم أن كيرك كان شديد العداء لنظريات المؤامرة، خصوصًا تلك المعادية لليهود وإسرائيل، وحذّر مرارًا من قدرتها على تشويه الواقع وإصابة العقل بـ "العفن الفكري". كما خاض مواجهة واضحة مع المعلّق السياسي اليميني المتطرّف نيك فوينتس وأنصاره عندما حاولوا دفع الحركة المحافظة نحو معاداة اليهود وإسرائيل. لذلك، تبدو نظريات المؤامرة التي أحاطت بموته إساءة إضافية إلى إرثه.
في الذكرى السنوية الأولى لرحيله، ربّما يكون أفضل ما يمكن أن يفعله المحافظون لتكريم تشارلي كيرك والحفاظ على إرثه هو أن يتمسّكوا بحرّية التعبير وأهمّية النقاش المفتوح للأفكار أكثر من أي وقت مضى، حتى عندما يبدو أن الشرخ السياسي والفكري غير قابل للردم. توازيًا، لا بدّ من إقامة حدود فكرية واضحة للحركة المحافظة التي قاتل كيرك طوال حياته واغتيل من أجلها، بحيث يجب أن تبقى الحركة، كما أرادها كيرك، حركة تؤمن بالحرّيات الفردية والاقتصاد الحرّ، وترفض الكراهية ونظريات المؤامرة الهدّامة.