خاص - نداء الوطن

بالصور والفيديو - غليان في الساحة السنّية بعد تجميد "العفو العام"... من منابر الجمعة إلى النواب فالسجون

10 دقائق للقراءة

كما كان متوقعاً، بدأت الساحة السنّية في لبنان تتفاعل بشكل سلبي مع قرار المجلس الدستوري وقف تنفيذ قانون العفو العام، استجابة للطعن المُقدّم من النائب جبران باسيل وتكتّل "لبنان القوي"، ما أشعل حالة من الغليان السياسي والشعبي.

​وبعد أن أحدث قرار التجميد صدمة سلبية في الشارع السني، أثار سريعاً موجة تنديد عارمة شملت عدداً من القيادات الدينية والخطباء والنواب والمرجعيات السياسية، كما تمددت إلى داخل السجون، بالإضافة إلى التوجه الحكومي الرسمي، وسط تحذيرات شديدة اللهجة من أن عرقلة القانون وتجاهل المظلومية المتراكمة قد تحول الطعن القضائي إلى طعن مباشر في العيش المشترك والسلم الأهلي.

مواقف عالية السقف لخطباء الجمعة: الطعن "فتيل فتنة"

في المشهد الديني برزت مواقف عالية السقف أطلقها عدد من الخطباء في لبنان أمس الجمعة بعد تعليق المجلس الدستوري لقانون العفو العام، حيث تصدّرت منابر المساجد الواجهة في التعبير عن حجم الغضب والرفض لهذا الإجراء.

فقد هاجم مفتي عكار الشيخ زيد بكار زكريا الطاعنين بالقانون، مؤكداً أن المطالبة بالعفو حظيت بإجماع ديني وحقوقي من مفتي الجمهورية والنواب والعلماء، ونشأت بسبب سوء المحاكمات والمظلومية المتراكمة داخل السجون تحت مظلة المحكمة العسكرية.

واستغرب زكريا - خلال خطبة الجمعة - تحرك بعض النواب لتقديم طعن لإيقاف القانون بدلاً من التحرك لتأمين الطبابة والخدمات للمواطنين، لافتاً إلى استمرار التساهل مع من اجتازوا الحدود وحملوا السلاح وساهموا في سفك الدماء وقتل الأبرياء في سوريا بينما يُضيّق الخناق على غيرهم حسب تعبيره، مؤكداً أن الشارع والناخبين سيحاسبون الطاعنين في صناديق الاقتراع.

وفي خطبة حادة أكّد الرئيس السابق لـ "هيئة علماء المسلمين" في لبنان وخطيب مسجد التقوى بطرابلس، الشيخ الدكتور سالم الرافعي، أن قانون العفو العام يشكّل مدخلاً أساسياً ومفصلياً لتحقيق المصالحة الوطنية وإعادة ضبط العلاقة بين مختلف المكونات في البلاد، محذراً المجلس الدستوري من خطورة التجاوب مع الطعون المرفوعة ضد القانون أو المماطلة في إقراره.

وأوضح الرافعي، خلال خطبة الجمعة، أن المطالبة بالعفو العام لم تكن خياراً عابراً، بل جاءت نتيجة عقود من المعاناة والمظلومية الناجمة عن عدم إنصاف الشباب في الأحكام القضائية، معتبراً أن عدداً من تلك الأحكام صَدَرَ عن خلفيات طائفية ومذهبية وافتقرت لأدنى مقومات العدالة.

وشدّد الرافعي على أن استمرار احتجاز الموقوفين لسنوات طويلة يعكس حجماً كبيراً من الإجحاف، متطرقاً إلى تدهور الأوضاع الإنسانية والصحية داخل السجون والإهمال الطبي الذي أدى لوفاة عدد من الموقوفين نتيجة أمراض مستعصية دون تقديم العلاج اللازم لهم.

وفيما أشاد الرافعي بإقرار المجلس النيابي للقانون وتوقيع رئيس الجمهورية عليه كخطوة أولى نحو الإنصاف، انتقد بشدة المطالبين بتعطيله، لافتاً إلى ما وصفه بالتناقض والكيل بمكيالين، حيث جرى التغاضي سابقاً وصدرت قوانين عفو خاص عن متورطين في قضايا إتجار بالمخدرات وغيرها، بينما تُمارس الضغوط اليوم لمنع رفع الظلم عن باقي الموقوفين.

ووجّه الرافعي رسالة مباشرة إلى أعضاء المجلس الدستوري، حثهم فيها على البتّ السريع في قضية العفو العام وعدم إيقاف تنفيذه، مؤكداً أن العفو ليس مجرد تفصيل قانوني، بل هو خطوة أولى نحو المصالحة مع الطائفة السنية، مشيراً إلى أن عرقلته تعطي إشارات سلبيّة بعدم الرغبة في التصالح أو إرساء شراكة حقيقية في البلاد، وختم خطبته قائلا: "سيكون لنا رأي عندها فلذلك نتمنى على القيمين على المجلس الدستوري أن ينتبهوا لخطورة ما هم قادمون عليه".

من جهته، اعتبر إمام جامع "أم المؤمنين" بعكار، الشيخ أحمد الشمالي، أن الطعن المُقدّم يمثّل "خطوة خطيرة تُهدّد بنسف الاستقرار ونشر الفتنة"، موجّهاً نداءً عاجلاً للرؤساء الثلاثة بالتدخل السريع لإطفاء هذا الفتيل.

ووصف الشمالي الإصرار على الطعن وتعمّد تأخير إخراج الموقوفين الإسلاميين بأنه "إعلان حرب على سنة لبنان" ينزع عن الدولة دورها الراعي للجميع.

الحجار يجدد دعم القانون: متمسكون بإقرار العفو

على المستوى الحكومي، جاء موقف وزارة الداخلية والبلديات ليؤكد الدعم الرسمي للقانون؛ إذ جدّد الوزير أحمد الحجار في تصريح صحفيٍ تأكيد موقف الحكومة الداعم لإقرار العفو العام، مشيراً إلى أن هذا الموقف ينطلق من ضرورة رفع الظلم حيثما وجد، ومعالجة الأوضاع المعقدة التي تعاني منها السجون.

وأوضح الحجار أن مجلس النواب اتخذ قراراً بإقرار القانون، إلا أن تقديم طعن أمام المجلس الدستوري أدى إلى وقف العمل به مؤقتاً لحين صدور الحكم النهائي، مؤكداً أن التوجه الحكومي كان وما يزال يصب في مصلحة إقرار العفو العام كخطوة أساسية لرفع المظالم وتحسين واقع السجون من الناحية الإنسانية.

مواقف نيابية حادّة: رفض لـ "تعليق العدالة" وتفنيد لادعاءات باسيل

وفي المواقف النيابية أطلق عدد من النواب السنّة تصريحات إعلامية جديدة لمواجهة الطعن في القانون، حيث انتقد النائب إيهاب مطر قرار المجلس الدستوري بتعليق مفاعيل قانون العفو، موضحاً أنه أمر يُتفهم في سياق عمل المؤسسات واحترام صلاحياتها، إلا أن السؤال الذي لا يجوز أن يبقى معلّقاً هو: "ماذا عن مفاعيل العدالة بحق المظلومين القابعين في سجون مكتظّة؟ وماذا عن حقوق أناس أنهكتهم سنوات الانتظار بينما ملفاتهم عالقة بين الإجراءات والحسابات؟".

وتساءل مطر في منشورٍ على موقع "إكس": "إلى متى تبقى العدالة معلّقة على مشانق المصالح والحسابات الفئوية الضيقة؟"، مؤكداً أن القانون الذي عمل عليه مع مجموعة من النواب لم يكن مجرد نص تشريعي بل محاولة لإنصاف مظلومين وإنهاء معاناة سجناء طال انتظارهم. وتعهد مطر بمواصلة المعركة حتى النهاية لوضعه موضع التنفيذ وإخراج المظلومين، مشدداً على أن "العدالة لا تحتمل الانتظار إلى ما لا نهاية... وحقوق الناس ليست ورقة في بازار المصالح".

وبدوره، وجّه النائب فيصل كرامي رسالة لأهالي الموقوفين قال فيها: "في ما يخص العفو العام، نحترم المجلس الدستوري وقراراته، لكننا نقول لأهالي الموقوفين: لا تيأسوا، المعركة لم تنتهِ ولن نتراجع".

وأكد كرامي خلال لقاءٍ عامٍ أن وقف مفاعيل القانون ليس نهاية الطريق، وأن رفع الظلم ليس منّة من أحد، مضيفاً: "سنكمل تحت سقف الدستور والقضاء حتى النهاية، لأن من أمضى سنوات طويلة خلف القضبان بلا محاكمة عادلة له حق علينا، والحق قد يتأخر، لكنه لن يسقط".

في حين تصدّى النائب بلال حشيمي لكلام النائب جبران باسيل بشأن قانون العفو، متحدّياً إياه أن يحدّد المادة التي تعفي -وفق ادعائه- قتلة العسكريين أو المغتصبين أو الإرهابيين أو الفاسدين، ومعتبراً أن إطلاق الاتهامات من دون الاستناد إلى نصوص واضحة يشكّل تضليلاً للرأي العام.

وأكد حشيمي عبر تصريحات صحفية أن القانون يستثني القتل العمد والجرائم الإرهابية بحق المدنيين والعسكريين والاغتصاب والاعتداءات الجنسية الخطيرة، إضافة إلى جرائم المال العام والإثراء غير المشروع وغسل الأموال والجرائم المرتبطة بأموال المودعين.

كما انتقد حشيمي إشارة باسيل إلى الانتماء الطائفي لشهداء الجيش، قائلاً إن "شهداء الجيش لا طائفة لهم"، وأن دماء العسكريين لا يجوز أن تتحول إلى مادة في الحسابات الطائفية أو الانتخابية.

وأضاف أن المطلوب ليس عفواً على قياس أي طائفة أو جهة سياسية، بل قانون واحد وعدالة واحدة لجميع اللبنانيين، متسائلاً في المقابل عن دماء العسكريين والمدنيين خلال حربي التحرير والإلغاء عامي 1989 و1990، وعن العفو الذي استفاد منه مؤسس التيار الوطني الحر بعد تلك المرحلة.

وختم حشيمي تصريحاته بالتأكيد أن المجلس الدستوري هو المرجع، داعياً باسيل إلى عدم استخدام الجيش والشهداء في المعارك السياسية والشعبوية ومكرراً تحدّيه: "سمِّ المادة التي تعفو عن قاتل العسكري أو المغتصب كما تزعم... أو كفى تضليلاً لللبنانيين".

أما النائب أشرف ريفي، فقد أشار إلى أن طعن فريق النائب جبران باسيل بقانون العفو هو حق دستوري، كما أن قرار المجلس الدستوري بوقف التنفيذ إجراء يُلتَزَمُ به، مضيفاً: "إذا انطلقنا من النوايا الحسنة، فنأمل أن يكون الهدف تصحيح القانون ومعالجة ثغراته ليصل لإنصاف من يستحقون الإنصاف لا سيما الموقوفين الذين طال انتظار محاكماتهم. أما إذا كانت هناك نوايا مبيَّتة وحسابات سياسية غير وطنية لإجهاض القانون وإبقاء المظلومين خلف القضبان، فنأمل ألا يكون الأمر كذلك لأن السجون ممتلئة والظلم لا يجوز أن يستمر".

وعبر حساباته الرسمية في مواقع التواصل طالب ريفي الجميع بالتعامل مع الملف بضمير وطني بعيداً عن الحسابات السياسية، لافتاً إلى أن اللبنانيين تعبوا من المتاجرة بقضاياهم وسيعرفون في النهاية من وقف إلى جانب العدالة ومن عطّلها.

غليان في رومية: الإسلاميون يهاجمون باسيل ويوجهون شكرهم لعون

ولم تقتصر أصداء الأزمة على المواقف السياسية والدينية، بل امتدت لتفجّر تحركات احتجاجية داخل المعتقلات؛ إذ شهد المبنى (ب) في سجن رومية المركزي أمس الجمعة حراكاً وهتافات نفّذها الموقوفون الإسلاميون على خلفية مشاركتهم في أحداث الثورة السورية، تعبيراً عن رفضهم القاطع للطعن المُقدّم ضد القانون.

وعقب أداء صلاة جماعية في باحة السجن، رفع المحتجون لافتات ورددوا هتافات غاضبة؛ حيث وجّهوا شكرهم إلى الرئيس جوزيف عون، والمفتي الشيخ عبد اللطيف دريان، والبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، مشيدين بمواقفهم الداعمة لإقرار قانون العفو.

في المقابل، شنّ الموقوفون هجوماً حاداً على النائب جبران باسيل، معتبرين أن الطعن الذي قدمه هو "طعن سياسي طائفي كيدي"، وتعالت في باحة السجن هتافات غاضبة من بينها: "يا الله يا وكيل.. ظلمونا بسبب باسيل"، و"اسمعوا يا رؤسا لبنان.. ظلمونا بسبب جبران".

كما حملت اللافتات المرفوعة من السجناء مناشدات عاجلة للرؤساء الثلاثة وشعارات شديدة اللهجة من قبيل: "لا تقتلونا بحجة الدستور.. الطعن بالعفو العام هو طعن سياسي طائفي"، و"الوقت هنا من دم.. وليس من ذهب"، إضافة إلى "جبران باسيل يسلّح فلول النظام ويعطّل العفو العام"، ومطالبات حازمة بـ "عدم ترك باسيل ينحرنا باسم الدستور".

وتأتي هذه التحركات في رومية بالتوازي مع تصاعد مطالبات أهالي الموقوفين للحد من الاكتظاظ والمظالم داخل السجون، ويضع هذا الاحتقان السلطات أمام ضغط إنساني وشعبي متزايد عقب تجميد المجلس الدستوري للعمل بالقانون لحين البت بالطعن.

في انتظار كلمة "الدستوري".. العفو أمام امتحان الاستقرار

و بين ضغط الشارع وغليان السجون وحزم المواقف النيابية والدينية، تتجه الأنظار نحو المجلس الدستوري. فالقضية تجاوزت إطارها القانوني الشكلي لتصبح اختباراً حقيقياً لنوايا العيش المشترك؛ إذ إن أي انحياز للحسابات الضيقة أو مماطلة في حسم العفو العام لن تُفسّر في الشارع السنّي إلا كاستمرار لنهج التهميش والاستقواء من خلال تعطيل الإرادة التشريعية ووضع المؤسسات الدستورية وجهاً لوجه مقابل الطائفة السنية. وهو ما يضع المعنيين أمام مسؤولية مباشرة لمنع تدهور الأمور ونزع فتيل أزمة قد تطيح بما تبقى من استقرار في بلدٍ لا تنقصه المزيد من الأزمات.