فيليب عادل حنين

قُتل الرجال... وغُيّبت الدولة

4 دقائق للقراءة

في 14 أيلول، لا أريد أن أكتب عن بشير الجميّل كما نكتب عنه كل عام، ولا أن أضيف صورة إلى الصور. أريد أن أسأل سؤالاً أبسط وأصعب: بعد كل هذا الدم، ماذا بنينا؟

شهد لبنان شعارات تكفي لبناء عشر دول: سيادة ومقاومة وتحرير واستقلال وإصلاح. لكن الكهرباء بقيت غائبة، والقضاء محاصراً، والإدارة ضعيفة، والاقتصاد يطرد أبناءه. وهنا المأساة: تبدأ القضية نبيلة ثم تتحول إلى وظيفة. يبدأ الحزب لخدمة فكرة، ثم تصبح الفكرة في خدمة الحزب. يبقى الشعار، ويكبر نفوذ من يتكلم باسمه.

وهكذا، بعد الحرب، خرج أمراء الحرب من الخنادق ودخلوا السلطة. وفي 1991 أُقرّ قانون عفو شمل معظم الجرائم المرتكبة خلال الحرب، فطُويت صفحات كثيرة من دون محاسبة، ثم عادوا ليحكمونا من جديد. وهنا أصل المشكلة: عندما لا تحميك المؤسسة تحتاج إلى زعيم، وعندما لا يعطيك القانون حقك تحتاج إلى واسطة، وعندما تغيب الدولة يدخل الحزب وصاحب النفوذ مكانها.

فلماذا يبني دولة قوية من يستفيد من ضعفها؟ في لبنان، الدولة ليست ضعيفة لأن أحداً لا يعرف كيف يبنيها؛ هي ضعيفة لأن كثيرين يعرفون تماماً ماذا سيخسرون إذا قامت.

والأخطر أن هذا النظام جعلنا نعتاد على فشله. أصبح انقطاع الكهرباء عادياً، وضياع الودائع قدراً، والحصول على الحق إنجازاً. ومع الوقت، لم نعد نسأل لماذا لا تعمل الدولة، بل كيف ندبّر أمورنا من دونها.

أخطر ما في المنظومة أنها لم تعد تخاف غضب الناس. هي تراهن على تعبهم، وعلى أن يتكيّفوا مع الفشل بدل أن يرفضوه. ومن يرفض، فالمطار أمامه والبحر مفتوح له.

ومن هنا تحديداً، لا أريد أن نستعيد بشير كقديس، ولا أن نطلب من اللبناني أن ينسى خلافه معه. يمكن أن نختلف على تاريخه أو خياراته، لكن هل نختلف على دولة واحدة، وقانون واحد، ومؤسسات أقوى من الزعيم والحزب والطائفة؟ في خطاب القسم الذي أعدّه بعد انتخابه، كان كلامه واضحاً عن الدستور والقانون واستقلال لبنان وسلامة أراضيه واستعادة دور مؤسسات الدولة.

هنا يجب أن نلتقي. فالدولة لا تُقاس باسم من يطالب بها، بل بما إذا كنّا نريدها فعلاً فوق الجميع.

وهذه الفكرة لم تكن يوماً حكراً على طائفة. وقبل أيام مرّت ذكرى تغييب موسى الصدر. لم يكن الصدر وبشير على خط واحد، لكنهما لم يكونا نقيضين. ففي 1977 خاطب بشير باحترام ووصفه بـ«الشاب الشجاع»، وأكد أن المؤسسات البديلة يجب أن تفسح المجال لمؤسسات الدولة الشرعية. نرفع صور الصدر كل عام، فيما نُغيّب فكرته. اختلف الرجلان، لكن السؤال بقي واحداً: هل تكون الطائفة جزءاً من دولة قوية، أم تصبح بديلاً عنها؟

ولهذا، كل زعيم يجعل نفسه حامي الطائفة ويحلّ مكان الدولة، يضمن نفوذه ما دامت طائفته خائفة ومحتاجة إليه.

ولم يتوقف الأمر عند الداخل. في محطات كثيرة من تاريخنا الحديث، استعانت قوى لبنانية بالخارج لتعزيز نفوذها، فيما كان الأجدى أن يكون أي دعم خارجي في خدمة الدولة لا الزعامات. توزّعت الولاءات على عواصم المنطقة والعالم، وبقي لبنان آخر من يُطلب له الولاء. ولعلنا اليوم نقترب من نهاية هذا العبث، ونبدأ بفهم ما دفع رجالاً حياتهم ثمناً له: أن يكون لبنان هو المرجع، لا الساحة.

وفي هذا المعنى، يقول النائب والوزير السابق إدوار حنين: «لا يصح قط أن مصلحة رجل، أيّاً كان، أو مصلحة مقام، مهما علا، أو خصومة وصداقة، مهما قست الخصومة ورقّت الصداقة، تستطيع أن تحتل مرتبة فوق التي جعلنا فيها لبنان، هذا الدائم الخالد». كلمات تختصر ما نفتقده اليوم: لا رجل فوق لبنان، ولا منصب ولا مصلحة أهم منه.

لكن هناك من يطمح إلى الرئاسة أو رئاسة الحكومة أو المجلس قبل أن يثبت ماذا غيّر في المواقع التي شغلها والنفوذ الذي امتلكه. المشكلة ليست في الطموح، بل حين تصبح الدولة سلّماً إلى السلطة بدل أن تكون السلطة وسيلة لبنائها. من يريد أن يحكم لبنان، فليبدأ بإصلاح المتر المربع الذي يسيطر عليه.

أما الدولة التي نتحدث عنها، فيجب أن تكون حاضرة في حياة الناس. نحتاج إلى روح «الفرقة 16» في كل وزارة وإدارة وشارع وزاروب: قانون له هيبة، ومخالفة لها ثمن، من دون واسطة أو حماية طائفية. لا دولة بوليسية، بل دولة يعرف فيها الجميع أن القاعدة واحدة، وأي تمادٍ يحمل معه عواقب جسيمة.

بعد أربعة وأربعين عاماً، لم يعد السؤال ماذا كان سيفعل بشير لو عاش، بل من يخاف قيام الدولة اليوم، وماذا سيخسر إذا قامت؟

لقد دفع لبنان ما يكفي من الدم. ما ينقصنا ليس تشخيص جديد ولا شهيد جديد. ينقصنا فقط أن نقرر أن لبنان أهم من زعمائنا، وأن حق المواطن لا يحتاج إلى وسيط، وأن الدولة لا تحتاج إلى إذن كي تكون دولة.

لبنان لا يحتاج إلى مخلّص، بل إلى دولة لا تحتاج إلى مخلّص.

الدولة القوية ليست حلماً مستحيلاً. لكنها لن تولد ما دام حرّاس ضعفها هم أنفسهم أوصياء عليها.