"سنحاسبكم"... عبارة أطلقها النائب حسين الحاج حسن، عضو كتلة "الوفاء للمقاومة"، في معرض هجومه على الحكومة اللبنانية، متهماً إياها بأنها "مهدّت للحرب على لبنان". وهي عبارة لا يجوز المرور عليها مرور الكِرام، لأنها تتجاوز حدود السجال السياسي لتلامس خطراً أكبر، هو منطق التهديد للمؤسسات الدستورية ومحاولة إخضاعها لإرادة مليشياوية تمثّل ما تبقّى من الدويلة.
واللافت أن التهديد لم يقتصر على الحكومة، بل طال أيضاً وزير الخارجية، وكأن المشكلة في موقفه السيادي وفي ممارسته لصلاحياته من موقع الدولة، لا من موقع المُحَاور أو المُساوم. ولعل ما يزعج البعض تحديداً أن وزير الخارجية تجرّأ حيث لا يجرؤ الآخرون، ولم يخشَ في موقفه سفيراً، فكيف له أن يخشى سفيهاً أو أن يتراجع أمام لغة التهديد والوعيد؟
إذا كان المقصود بالمحاسبة هو الدور النيابي الرقابي، فالدستور واضح، ومجلس النواب هو المكان الطبيعي للسؤال والاستجواب والمساءلة وطرح الثقة. أما أن تأتي المحاسبة بصيغة التهديد، فهذا أمر مختلف تماماً، ولا سيما عندما يصدر عن ممثل لجهة تمتلك سلاحاً خارج على القانون واستجر حروباً وقتلاً ودماراً...
السؤال هنا بسيط: مَن يُحاسب مَن؟
في الدولة، الحكومة تُحاسَب بالدستور والقانون، لا بالتهديد. ومَن يعترض على أدائها يملك كل الوسائل الدستورية لمساءلتها. أما التلويح بلغة "سنحاسبكم"، فيوحي بأن هناك مَن يعتبر نفسه قادراً على فرض إرادته على الحكومة، وربما على الحكم، خارج المؤسسات.
وهنا مكمن الخطر الحقيقي.
لبنان لا يحتمل العودة إلى زمن تُفرض فيه القرارات السياسية بمنطق القوة أو الأمر الواقع. فقرار الحرب والسلم، كما القرار السياسي، يجب أن يكون في يد الدولة ومؤسساتها الشرعيّة، لا في يد أي حزب أو تنظيم، مهما كان حجمه أو تمثيله النيابي.
وإذا كان لدى النائب الحاج حسن ما يثبت أن الحكومة "مهدّت للحرب" كما يدّعي، فليضعه أمام مجلس النواب والرأي العام، وليمارس حقه في المعارضة والمساءلة. أما إطلاق الإتهامات مقرونة بالتهديد، فلا يحمي لبنان ولا يصون مصالحه، بل يهدد ما تبقى من مؤسسات الدولة التي يريدون إسقاطها.
الرسالة يجب أن تكون واضحة: لا أحد فوق الدولة، ولا أحد يحاسب الحكومة خارج الدستور، ولا أحد يملك حق تهديد الحكم أو ابتزازه.
لبنان يحتاج اليوم إلى دولة قويّة، وإلى مسؤولين سياديين يقولون ما يجب قوله من دون خوف أو تردد، وإلى مؤسسات تحكم لا إلى قوى تفرض إرادتها عليها.
لبنان لا يُحكم بالتهديد، ولا يُحمى بالوعيد. لبنان يُحكم بلغة العقل، ويُحمى بالدولة.
وبالتالي فإن الحكومات لا تتغير إلا وفق الدستور، والسلطة تُمارس من داخل الدولة، لا من داخل غرف سوداء، ولا من أنفاق قاهرة ولا طاهرة... والسلام
رئيس دائرة الإعلام الداخلي وعضو المجلس المركزي في حزب "القوات اللبنانية"