الدكتور سايد حرقص

بشير الجميّل: الدولة التي لم تولد بعد

4 دقائق للقراءة

بعد أكثر من أربعة عقود على انتخاب الشيخ بشير الجميّل رئيسًا للجمهورية، يقف لبنان مترنحًا تحت أغلال أشد قسوة مما كانت عليه في بداية الثمانينيات. لذلك، لم تعد إعادة قراءة مشروعه استعادةً للماضي، بل أضحت مخرجًا إلزاميًا من حاضرٍ مأزوم.

طالب بشير بالعبور الحضاري من منطق «المزرعة» إلى منطق «الدولة». حين قال: «لا نريد لبنان مزرعة، نريد لبنان وطنًا. لا نريد لبنان ساحات، نريد لبنان دولة. لا نريد لبنان مجموعة طوائف، نريد لبنان شعبًا واحدًا». لكن جماعة الاستقواء بالخارج أصرّت على العبور العكسي، من منطق «المزرعة» باتجاه منطق «المسلخ». قد يختلف اللبنانيون في حكمهم على بشير الرجل، لكن السؤال سيظل يلاحق الجميع: ألم يكن أفضل للجميع لو بُنيت دولة بشير؟

لم يكن بشير يرى التعددية خطيئة، بل كانت الجريمة، في رأيه، تكمن في تجاهل الاختلاف الحضاري وتحويل التعددية إلى محفّز لاستدامة إدارة الانقسام، وإحلال الطائفة مكان الدولة، والحزب مكان المؤسسة، والزعيم مكان القانون. ومن هنا جاء حسمه القاطع: «لبنان بلد الحريات، لكن الحرية لا تعني الفوضى. لبنان بلد التعدد، لكن التعدد لا يعني الانقسام. لبنان بلد التنوع، لكن التنوع لا يعني التشرذم».

التحدي الحقيقي لم يكن إصلاحًا إداريًا شكليًا، بل كان سؤالًا وجوديًا: كيف يعيش مجتمع متعدد من دون أن يتحول التنوع إلى خوف متبادل؟ وكيف يزدهر مجتمع متعدد بعيدًا عن لغة العرقلة والتعطيل؟ هنا تتجلى ضرورة العقد الاجتماعي بين «اللبنانيين»، القائم على الصدق والشفافية والصراحة، كدرع يحمي التعددية داخل سقف الدولة. عندها تبلغ المقولة التي نقلها عنه الدكتور جورج فريحة في كتابه «مع بشير» ذروة توهّجها: «لا أوافق على كلمة تقولها، لكني مستعد للاستشهاد لأفسح لك المجال للتعبير عنها». وتتكامل معها صراحته القاطعة: «إذا صعب قول الحقيقة، فقولوها، لأن التغاضي عنها أصعب بكثير من قولها». فالدول تقتلها عقلية الإنكار والهروب من الحقيقة.

وفوق كل شيء، يقف مفهوم السيادة كعمود فقري للمشروع. ففي الخطاب الذي اغتالته أيدي الغدر قبل أن يُلقى، كان الحسم مطلقًا: انسحاب جميع القوات الأجنبية، واستعادة الدولة سلطتها غير المنقوصة على كامل الـ10452 كلم².

حوّل بشير الـ10452 كلم² من مساحة جغرافية إلى عقيدة وطنية جامعة، تقضي بأن الحدود والأرض وتراب الوطن ليست وجهة نظر، ولا مكانًا سائبًا للمشاريع والأوهام الخارجية. فالسيادة ليست موجهة ضد أي مكوّن داخلي، بل هي السيف الموجّه ضد كل صيغة تجعل الدولة «شبه دولة».

وعلى مستوى الحوكمة، كان الرهان على نسف ثقافة المحاصصة: الوزير يخضع للدستور لا للزعيم، والإدارة تقوم على الكفاءة لا على الولاء، والقضاء متحرر من الترهيب، والجيش هو المحتكر الوحيد للسلاح، ويخضع لتعليمات السلطة السياسية. الأزمة اللبنانية ليست عيبًا في النصوص، بل في ثقافة الزبائنية التي تحوّل الدولة إلى غنيمة.

اليوم، يغرق لبنان في انهيار مالي، وفساد إداري، وشلل قضائي، وارتهان للخارج. للذين يحبون بشير، فإن التكريم الحقيقي له يكون بالعمل على تحقيق روح مشروعه. وللذين تربّوا على كره بشير، فإن دراسة مشروعه بعمق أكبر وبقوة أكبر، وبعيدًا عن العواطف السلبية، هي الحل الأمثل لفهمه، بعيدًا عن سرقة أفكاره واستغلال شعاراته من حين إلى آخر لخدمة مشاريعهم الفاشلة.

الرهان اليوم يتلخص في خيارين لا ثالث لهما: إما لبنان الولاءات الخارجية المتصارعة والدولة المشلولة، وإما لبنان السيادة المطلقة، والمؤسسات النافذة، والقانون الصارم.

بعد أكثر من أربعين عامًا، لا يزال لبنان يحتاج إلى استعادة ثقافة بناء الدولة. فهل يملك اللبنانيون الجرأة ليقولوا بصوت واحد: «نحن لبنانيون أولًا وأخيرًا»، وأن يعقدوا عقدًا اجتماعيًا ينظّم كيفية عيشهم معًا بسلام، لنؤسس لدولة الازدهار والتطور؟ أم سيظل الجميع أسرى جدل بيزنطي، يتفرجون على وطن يحتضر، في انتظار من يجرؤ على رفعه من تحت الركام؟