الياس دمّر

فيلم "The Uprising" الذي يشبه لبنان أكثر مما نتوقع

4 دقائق للقراءة

في لبنان الذي اعتاد أن يعيش على حافة القلق السياسي، وحيث تتراكم الأزمات أسرع من قدرة الناس على استيعابها، تبدو حكاية انتفاضة عمرها أكثر من ستة قرون، غريبة في زمنها، لكنها مألوفة في إحساسها. ماذا يحدث حين يفقد الناس ثقتهم بمن يحكمونهم؟ ومتى يتحوّل الإحباط من شعور فردي إلى غضب جماعي؟ هذه الأسئلة التي نعرفها جيدًا في حياتنا اليومية، يعيد الكاتب والمخرج البريطاني بول غرينغراس (Paul Greengrass) طرحها عبر فيلم "The Uprising"، مستعيدا ثورة الفلاحين الإنكليز عام 1381، في فيلم يبدو تاريخيًّا في ملابسه، لكنه شديد المعاصرة في هواجسه. تكمن المفارقة الأساسية في الفيلم في أن تنظر إلى إنكلترا القرن الرابع عشر، فتلمح شيئًا من عالمنا الراهن: مجتمع أنهكته الكوارث، وفئات فقيرة تدفع ثمن أزمات لم تصنعها، وسلطة تبدو بعيدة عن غضب الشارع، فيما تتآكل بالتدريج الثقة بأن النظام قادر أو راغب في تحقيق العدالة.


الثورة والأمل

في قلب الحكاية يقف أندرو غارفيلد (Andrew Garfield) في شخصية الفلاح المعروف باسم "الحارث" (Ploughman). رجل فقد زوجته وطفلَيه بسبب الطاعون، ويعيش في فقر وإرهاق دائمَين. وحين تفرض السلطة ضريبة جديدة على السكان المنهكين أصلا، يصبح الظلم الذي تحمّله طويلا شرارة تدفعه إلى التمرّد. لكنه لا يبدأ كثائر، بل كمواطن ما زال يؤمن بإمكان إصلاح النظام من داخله. وهنا يقدّم غارفيلد أداء بالغ الحساسية. لا يلعب بطلا ثوريًّا تقليديًّا، بل رجلا يتحوّل إلى رمز من دون أن يختار ذلك. صمته، وإنهاكه الجسدي، ونظراته المثقلة بالفقدان، تجعل التحوّل السياسي للشخصية امتدادًا لتحوّلها النفسي. إنه الرجل العادي الذي تضعه الظروف في قلب التاريخ.

أما غرينغراس، فيستعمل لغته السينمائية الأكثر شهرة، بين الكاميرا المحمولة، والقطع السريع، والاقتراب الجسدي من الحدث. تبدو المعارك كأنها فوضى نعيش داخلها، لا مشاهد نتفرّج عليها. الطين، والدم، والصراخ، والأجساد المتدافعة تصنع واقعية حسية تكاد تمنح الفيلم ملمسًا وثائقيًّا. وفي أفضل لحظاته، تتحوّل الكاميرا نفسها إلى عين المتظاهر، أو إلى جسد آخر داخل الحشد. غير أن هذه التقنية تفقد شيئا من فاعليتها خارج مشاهد العنف، حيث يصبح اهتزاز الصورة أحيانًا عبئًا بصريًّا أكثر منه خيارًا دراميًّا. كما أن السيناريو يميل إلى تقديم شخصياته بوصفها نماذج سياسية أكثر من كونها شخصيات مركبة، ما يجعل بعض الصراعات الفكرية أقل عمقًا مما تستحق.

واللافت أنّ الفيلم لا يقدّم الثورة كحكاية رومانسية عن الشعب الطيب في مواجهة السلطة الشريرة. إذ سرعان ما يظهر السؤال الأكثر تعقيدًا: ماذا يحدث عندما يصبح الغضب قوة مستقلة؟ وكيف يمكن لحركة تبدأ بالمطالبة بالعدالة أن تنزلق نحو العنف والفوضى؟ هنا يلامس "The Uprising" جوهر القلق السياسي المعاصر، من دون أن يقدّم إجابات مريحة.


السلطة والشارع

يشكّل الملك ريتشارد الثاني، بشخصيته الهشة والقلقة، النقيض الدرامي للفلاح. فبينما يزداد غضب الشارع وتتمرّد الجماهير على السلطة، يجد الملك الشاب نفسه مهدَّدًا بفقدان السيطرة على مملكته. لكن حين يقترب العمل من نهايته، ويمهّد بطريقة شبه أسطورية لربط بطله بصورة "روبن هود"، يفقد شيئًا من حدّته الواقعية. فالحكاية كانت أقوى حين بقيت في الطين والدم والخوف، لا حين حاولت أن تمنح الثورة أسطورة جاهزة ونهاية أكثر تفاؤلا.

"The Uprising" لا يروي حكاية عام 1381 بقدر ما يلتقط اللحظة التي تنكسر فيها طاعة الناس للسلطة. ولعلّ هذا ما يجعله قريبًا من قلقنا اللبناني، ليس لأنّ التاريخ يتكرّر حرفيًّا، بل لأنّ العجز، وانعدام الثقة، والبحث عن العدالة، مشاعر لا تعترف بالزمن. هنا لا تستعيد السينما الماضي بقدر ما تضعه أمام حاضرنا، لتذكّرنا بأن الشرارة السياسية تبدأ دائما من إحساس إنساني بسيط وخطير... حين نشعر بعدم قدرتنا على الاستمرار في ظل ما آلت إليه الظروف.

لهذا تحديدًا، يستحق "The Uprising" أن يُشاهَد على الشاشة الكبيرة. فيلم لا يدعوك إلى زيارة التاريخ، بل يجعلك تخرج من الصالة متسائلا عما يقوله ذلك التاريخ عن حاضرنا.