أمضيتُ في ثانوية الأشرفية الأولى للبنين ستة أعوام، ولاحظت عامًا بعد عام، أن من يختارون مقاعدهم في الصفوف الخلفية هم الثرثارون والكسالى أبّا عن جدّ والمشاغبون والزقاقيون والمتراشقون بالسهام الورقية وبالحشوات الورقية التي تنفخ من انابيب أقلام الـ "بيك"، والطوال فوق المعدلات الطبيعية لطول المراهق ومن يستطيبون النوم حصرًا في ساعات الفيزياء والكيمياء والرياضيات والتاريخ... باستثناء صف اللغة الفرنسية. يا الله كم كانت جميلة أستاذة "الفرنساوي" وهي تضبط لفظنا للـ Balcon والـtéléphone وعما يميز الناظرSimon عن تانت Simonne.
تلامذة المقاعد الخلفية كما عهدتهم كانوا أشبه بعصابة صغيرة، ومن كان يُطرد منهم لأسبوع لإخلاله بنظام المدرسة، أو بسبب القبض عليه يدخّن سيكارة "بيبلوس" في المراحيض رأى في الطرد فرصة رائعة لتنمية مواهبه في الشارع ومطاردة البنات. بنون يطاردون البنات ولو بالأوهام.
استعدت مشهد تلامذة الصفوف الخلفية لحظة وقع نظري على ثلة الحرس الثوري الإيراني المنتخبين بأكثريات ساحقة في دوائرهم الإنتخابية، المتمترسين دومًا في ركن خلفي من أركان البرلمان، والمتمايزين عن نظرائهم، بسحناتهم الغاضبة، ولحاهم غير المشذّبة، وابتعادهم عن أي مظهّر يذكر بعهد الشاه او بالتماهي الثقافي مع الغرب. أتتخيلون حسن عز الدين حليق الذقن أو علي عمار يضعّ ربطة عنق صفراء نكاية بدونالد ترامب؟
كم يشبه هؤلاء التلامذة المشاغبين حين يبدأون التشويش على زملائهم. وكم يشبهون التلامذة الكسالى عندما ينسحبون كي لا يسمعون الانتقادات التي تطاولهم. وكم يشبهون التلامذة المتباهين بضخامة أحجامهم وأصواتهم. وكم يشبهون الزقاقيين حين يستقوون على تلامذة الصف المهذبين، وكم يشبهون النيام المتغطرسين حين يستيقظون.
وجود ممثلي الحرس الثوري تحت سقف البرلمان حالة غير طبيعية منذ ثلاثة عقود زنيّف، كونهم يمثلون حزبًا غير موجود قانونًا، وهو في أساس تكوينه منتج صُنع في سفارة الجمهورية الإسلامية في دمشق، ولا يؤمن لا بدستور ولا بقوانين ولا بدولة.
من يجلسون دائمًا في ركن خلفي، ويتقدمون غير مشكورين على خوض حروب غير متكافئة تكلّف البلد غاليًا في ناسه وفي قراه ومدنه، ويتوهمون إرساء معادلات إقليمية ودولية، ويعدون، على الرغم من الهزائم، بانتصارات إلهية، ويخرجون من عقالهم كلما تكلّم نائب سيادي بمنطق سيادي.
من يجلسون في المقاعد الخلفية حشوا، في جلسة المناقشة آذانهم وعقولهم قطنا من إيهاب الـ "بهورجي" إلى سائر أعضاء كتلته، يشاركون متى شاؤوا، ينسحبون ثمّ يعودون إلى مقاعدهم يطقطقون بالمسابح وكأنهم في قهوة قزاز.
فيما كنت على وشك ختم هذا المقال كانت الكاميرا تجول على مقاعد المخوّنين والمتحجرين. كانت فارغة تمامًا. ليتها تظل كذلك.