ما هو التعبير الأشمل عن مقاربة الرئيس دونالد ترامب لعلاقات أميركا الخارجية؟ هل الحلفاء حقًا عبء على أميركا بعد عقود من اعتبارهم قوة لها؟ هل السلام من خلال القوة هو المقاربة المفضلة للتعامل مع الخصوم، ولو وصل الأمر الى حرب كما في حال إيران، أو الاكتفاء بعملية عسكرية دقيقة في فنزويلا قادث رئيسها نیکولاس مادورو وزوجته إلى السجن والمحاكمة في نيويورك واستعادت السيطرة على النفط؟ وهل التواطؤ مع التنافس والصراع هو الصيغة الأسلم في علاقات أميرکا مع الصين وروسيا؟
ستيفن والت بروفسور العلاقات الدولية في مدرسة كينيدي في هارفارد عرض في مقال نشرته "فورين أفيرز" لمحاولات البحث عن تعريف لهذه المقاربة منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض عام 2017، ثم ما يفعله عمليًا في الولاية الثانية. العالم السياسي باري روزان اختار عام 2018 تعبير: "الهيمنة اللاليبرالية" لتوصيف الاستراتيجية العظمى لترامب. المحلل أورن کاس، رأى أن جوهر سياسته هو طلب "التبادلية". وآخرون وضعوا كثيرًا من الأوصاف لترامب: "واقعي، قومي، مركانتيلي من الطراز القديم، إمبريالي وانعزالي". لكن والت الذي رأى في هذه الأوصاف بعض جوانب من المقاربة، اعتبر أن التوصيف الأفضل للاستراتيجية العظمى في الولاية الثانية هو "الهيمنة النهّابة". لماذا؟ لأن هدفها المركزي هو "استخدام موقع واشنطن الامتيازي لجلب التنازلات والتقديمات، والبحث عن مكاسب قصيرة المدى في عالم لعبة صفرية". وليست هذه سوى صفة لعالم أحادي القطب في حين أن العالم اليوم متعدد الأقطاب بلا نظام عالمي.
والواقع أن ترامب وجد أمامه في البيت الأبيض آلة قوة أميركية هائلة. فأراد استخدامها على طريقة وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت التي قالت لرئيس هيئة الأركان المشتركة: "لماذا ندفع من أجل هذه الآلة العسكرية الرائعة إذا كنا خائفين من استعمالها؟". وهو بدأ يكبس أزرار الآلة، بشيئ من التخطيط وشيئ من الارتجال. وأحدثها زر الحرب على إيران بالشراكة مع إسرائيل لإعادة تشكيل الشرق الأوسط والحصول على النفط واعتبار مضيق هرمز "مقاطعة أميركية". لكن الحرب التي كانت أهدافها إسقاط النظام ومشروعه النووي والصاروخي والأذرع الإيديولوجية المذهبية المسلحة التي تعمل لمشروعه الإقليمي انتهت إلى "مذكرة تفاهم" لا تزال بين حي وميت. والرهان على إسقاط الأنظمة بقوة لا تضاهى يمكن أن يقود إلى نهاية ما سمّاه مؤسس "تايم" هنري لوس "القرن الأميركي" لمصلحة "القرن الصيني" أو القرن الأميركي - الصيني - الروسي.
والمسألة ليست فقط حسابات ورهانات جيو سياسية واستراتيجية، بل أيضًا السعي للربح المادي لأميركا وترامب وأبنائه وأصدقائه. حتى منصة "تروث"، فإنه يفرض رسم مئة ألف دولار على من يريد الإطلاع المسبق على منشوراته بحيث يوظفها في الربح عبر الشراء والبيع حسب اتجاه القرارات. فالعالم في نظر ترامب هو ميدان وبورصة. الميدان للصراع العسكري والسياسي. والبورصة لتحقيق الأرباح ولاسيما من أسعار النفط والغاز والرسوم الجمركية. وأهم ما يفاخر به هو البراعة في "فن الصفقة" حسب عنوان الكتاب الحامل اسمه. وأقل ما فوجئ به هو "مكر المفاوضين الإيرانين وبراعتهم".
وقديمًا قال آدم سميت المنظّر الأول للنظام الرأسمالي في بداياته "إن أسوأ أنواع الحكومات هو الذي يدار بأهداف التجارة".