بعد سقوط تلة علي الطاهر وتفجيرها من قبل الجيش الإسرائيلي، تصدر المشهد الإعلامي خلال الأسبوع الماضي عدد من المشهديات المتتالية. البداية كانت مع الإعلان عن انتشار الجيش اللبناني في مدينة النبطية، حاضرة جبل عامل، تلاه في اليوم التالي إعلان انتشار عناصر الأمن العام وأمن الدولة في المدينة. ثم جاءت زيارة الرئيس جوزاف عون إلى النبطية كي تتوّج هذه المشهديات.
أيّ مراقب من بعيد لهذه المشهديات قد يقرأ فيها قرارًا رسميًا واضحًا ببسط سلطة الدولة وترسيخ حضورها وسيادتها في المدينة، وقد يرى في زيارة الرئيس عون إعلانًا سياسيًا عن إنجاز المهمة وانتقال النبطية إلى كنف المؤسسات الشرعية للدولة.
هذا هو المشهد في ظاهره، لكن الحقيقة تبدو في مكان آخر كليًا.
أولا، ترافقت هذه الخطوات مع مشهدية إعلامية مصوّرة جرى تداولها على نطاق واسع، أوحت بأن الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية يدخلون مدينة النبطية للمرة الأولى، وكأن المدينة كانت خارج نطاق حضور الدولة طوال السنوات الماضية. لكن الواقع مختلف تمامًا. فالجيش اللبناني، إلى جانب مختلف الأجهزة الأمنية اللبنانية، موجود في النبطية وقرى الجوار منذ ما قبل الانسحاب الإسرائيلي عام 2000. وبالتالي، فإن ما جرى الإعلان عنه أخيرًا لم يُحدث، من الناحية الفعلية، تغييرًا جوهريًا في واقع حضور الدولة على الأرض.
ثانيًا، بعد حرب تموز 2006، انتشر الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية في مختلف مناطق الجنوب، وصولا إلى الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية. ومع ذلك، لم يمنع هذا الانتشار "حزب الله" من بناء منظومته العسكرية وتعزيز بنيته التحتية، وحفر الأنفاق وتكديس السلاح، في ظل وجود مؤسسات الدولة نفسها وانتشارها على الأرض. وهذا يعني أن جوهر المشكلة لم يكن يومًا في غياب المؤسسات الشرعية، ولا في عدد عناصرها أو مواقع انتشارها، بل في مسألة أكثر عمقًا: من يمسك فعليًا بالسلطة والقرار على الأرض؟ ومن يملك قرار الحرب والسلم؟ والإجابة، في الجنوب كما في النبطية، هو "حزب الله".
ثالثًا، وربما الأخطر في مشهديّة "عودة الدولة إلى النبطية"، هو أن هذا الشعار يوحي بأن "حزب الله" قد خرج من المعادلة وأن الدولة أصبحت صاحبة القرار الفعلي في النبطية. لكن الواقع هو أن "الحزب" لا يزال صاحب النفوذ والقرار الفعلي على الأرض، فيما تقوم المؤسسات الرسمية، من خلال هذه المشهدية، بعمليّة تضليل متعمّدة.
وهنا تكمن المفارقة الأخطر: تتحول المشهدية الرسمية إلى ما يشبه توفير غطاء الدولة لواقع غير شرعي. وبمعنى أكثر وضوحًا، تصبح الشرعية في موقع "المتراس" أمام من يمسك بالقرار، أي "حزب الله".
الجنوب لا يحتاج إلى انتشار عسكري وأمني شكلي، ولا إلى زيارات للرئيسين جوزاف عون ونواف سلام، لن تقدّم ولن تؤخّر في واقعٍ لا يزال فيه الجنوب ساحةً مفتوحة لإيران، تستخدمها وفق توقيت مصالحها.
الجنوب يحتاج إلى دولة بالمعنى الفعلي للكلمة. دولة تنتزع الجنوب من النفوذ الإيراني، وتستعيد قرارها وسيادتها على أرضها، وتضع حدًا نهائيًا لاستخدامه كساحة وجبهة إيرانية متقدمة على الحدود مع اسرائيل.
هكذا فقط تكون حماية الجنوب، وهكذا تكون حماية الجنوبيين: عندما يصبح قرار الحرب والسلم، والسلاح والأرض، بيد الدولة وحدها، لا بيد أي حزب أو قوة إقليمية.