بعد سنوات من المماطلة، تعود جريمة انفجار مرفأ بيروت إلى الواجهة مع أنباء عن إمكانية صدور القرار الاتهامي وكشف أسماء المسؤولين، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عن الجريمة. وبينما ينتظر أهالي الضحايا لحظةً طال انتظارها، هبّ جمهور العماد ميشال عون للدفاع عن «الزعيم»، وكأن العدالة عندما تقترب منه تصبح اعتداءً على الوطن، وكأن «الجنرال» بات فوق المساءلة.
عندما يكون الولاء للزعيم أقوى من كشف الحقيقة، يصبح القضاء متآمرًا لأنه يسأل، والحقيقة مؤامرة لأنها قد تكشف مسؤولية، والمساءلة استهدافًا سياسيًا، فيما تتراجع دماء الضحايا إلى المرتبة الثانية أمام حماية صورة الزعيم.
وبدل أن يكون الولاء للوطن طريقًا إلى الحقيقة، يتحول الولاء للزعيم إلى جدار يحجبها. وتتبدل الأسئلة من: ماذا حدث في المرفأ؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ إلى سؤال أكثر خطورة: كيف نحمي زعيمنا من الحقيقة؟
كيف يمكن لجمهورٍ رفع لسنوات شعار النزاهة و«تغيير المنظومة» أن يتحول، عند لحظة الاختبار الحقيقي، إلى خط دفاع عن رجلٍ وصل إليه تقرير أمني بشأن نيترات الأمونيوم قبل أسابيع من الانفجار، ثم قال: «علمت، ولكنني لست مسؤولًا ولديّ صلاحيات محدودة»؟
إذا كانت المساءلة استهدافًا سياسيًا، فكيف تكون البراءة؟ أليست البراءة أيضًا نتيجة تحقيق وقضاء وأدلة؟ إن ترك القضاء يقول كلمته ليس خيانة للزعيم، بل احترام للضحايا وللدولة. فالبراءة لا تُنتزع بالهتاف، والمسؤولية لا تُسقط بالولاء، والحقيقة لا تُدفن لأن كشفها قد يزعج صورة الزعيم.
أيُّ منطقٍ يجعل حماية الزعيم أهمَّ من حماية حق أكثر من مئتي ضحية، وآلاف الجرحى، وعائلاتٍ دُمّرت حياتها؟ لقد دمّر الانفجار أجزاءً واسعةً من بيروت، ومع ذلك يُراد تحويل مسار المساءلة برمّته إلى «مؤامرة»، وكأن دماء الضحايا قابلةٌ للتسييس، فيما كرامة الزعيم غير قابلةٍ للمساس.
المشكلة ليست في أن يكون للناس زعيم يحبونه أو يثقون به، بل تبدأ عندما يصبح المطلوب دفن الحقيقة لأنها قد تكشف أن الزعيم مجرد بشر، يخطئ ويصيب، وعندما يصبح القانون قابلًا للتغيير كلما تعارض مع مصلحته. عندها يتحول الولاء من خيار سياسي مشروع إلى تقديس للأصنام، ويصبح الدفاع عن الشخص أهم من الدفاع عن الحق والعدل وحتى الوطن.
وهنا يصبح السؤال أكبر من الرئيس السابق ميشال عون وأكبر من انفجار المرفأ: أيُّ دولة يمكن أن تقوم إذا كان قسم من الشعب يؤمن بأن مساءلة الزعيم مؤامرة؟
ماذا يبقى من المواطنة إذا كان السؤال عن مسؤولية الحاكم يُعامل وكأنه اعتداء على الوطن؟ وماذا يبقى من العدالة إذا كان الاقتراب من أصحاب النفوذ يُعتبر جريمة، فيما تتحول دماء الضحايا إلى مادة للتجاذب السياسي؟
إن أخطر ما يمكن أن يفعله الولاء الأعمى هو إضعاف فكرة الدولة نفسها. فعندما يصبح الزعيم أهم من القانون، تصبح الدولة أضعف من زعمائها؛ وعندما يصبح الولاء للزعيم أهم من كشف الحقيقة وتحقيق العدالة وإحقاق الحق، يصبح القضاء متهمًا بدلًا من أن يكون حَكَمًا.
لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال: هل نريد العدالة أم نريد حماية «الجنرال»؟ بل: هل نريد دولةً يحكمها القانون، أم منظومةً يحمي فيها كل جمهور زعيمه من القانون؟
في مرفأ بيروت، لا تحتاج الحقيقة إلى جمهور يهتف، بل إلى قضاء يستطيع الوصول إليها بالأدلة والبراهين. أما الدولة، فلا يمكن أن تكون دولةً إلا عندما يكون الزعيم قابلًا للمساءلة، والقضاء حرًا في عمله، ودماء الضحايا أثمن من أي هالة سياسية.