منذ بداية المواجهة، راهنت إيران على أن لديها ما يكفي من الأوراق لإطالة الحرب ورفع كلفتها على الولايات المتحدة وحلفائها. وفي مقدّمة هذه الأوراق كان مضيق هرمز. فطهران تعرف أن قوّتها لا تكمن فقط في قدرتها العسكرية، بل في قدرتها على تهديد شريان يمرّ عبره جزء أساسي من تجارة الطاقة العالمية.
هنا لا بدّ من العودة إلى ما نقله الكاتب الأميركي ديفيد أغناتيوس في مقاله في صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية عمّا قاله الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني عندما وصف إغلاق هرمز بأنه ورقة يمكن لعبها مرّة واحدة فقط. يومها، كان لاريجاني يختصر المعضلة الإيرانية: امتلاك الورقة شيء، واستخدامها شيء آخر، لأنّ إغلاق المضيق ليس خطوة تكتيكية يمكن لطهران تشغيلها وإيقافها متى تشاء، بل قرار استراتيجي كبير يفتح الباب أمام ردود فعل عسكرية واقتصادية، ويصعب التراجع عن تداعياته.
اليوم، يبدو أن إيران لعبت الورقة وبدأت تكتشف لماذا يمكن لعبها مرّة واحدة فقط. إغلاق هرمز أو تعطيل الملاحة فيه قد يرفع أسعار النفط ويضغط على خصوم إيران، لكنّه في الوقت عينه يضيّق الخناق على الاقتصاد الإيراني نفسه. فإيران دولة نفطية تحتاج إلى البحر لتصدير إنتاجها، وتحتاج إلى التجارة الخارجية لتأمين العملات الصعبة والسلع. وبالتالي، فإنّ السلاح الذي يُفترض أن يخنق الخصم بدأ يفرض كلفته على صاحبه أيضًا.
من هنا بدأت طهران البحث عن البدائل. الحدود البرية تحوّلت إلى متنفّس، والتجارة مع باكستان وتركيا وأفغانستان وآسيا الوسطى أصبحت أكثر أهمية. لكن المشكلة أن الجغرافيا التي تمنح إيران نفوذًا واسعًا لا تمنحها بالضرورة بديلًا اقتصاديًا جاهزًا. فالطرق البرية لا تستطيع استيعاب ما يحمله البحر، والمعابر تخضع لقدرات لوجستية وإدارية محدودة، فيما تضاف العقوبات وكلفة النقل إلى المعادلة. وهكذا، كلّما طال الحصار البحري، أصبحت محاولة الالتفاف عليه أكثر كلفة وأقلّ فعالية.
وهنا تحديدًا تتغيّر طبيعة الحرب. فالمواجهة لم تعد فقط حول من يستطيع توجيه الضربة العسكرية الأكبر، بل حول من يستطيع الصمود أكثر. تراهن أميركا على الوقت والضغط الاقتصادي، بينما تراهن إيران على رفع كلفة الحرب إلى مستوى يدفع واشنطن إلى العودة إلى التفاوض. وبين الرهانين، يتحوّل الاقتصاد نفسه إلى ساحة مواجهة.
لكن الأخطر بالنسبة إلى طهران ليس فقط ما تخسره اليوم، بل ما يمكن أن تخسره غدًا. عدم استقرار هرمز دفع دول المنطقة إلى تسريع البحث عن طرق بديلة. السعودية لديها منفذها على البحر الأحمر، والعراق بدأ اختبار مسارات عبر سوريا وصولًا إلى بانياس، فيما تعود مشاريع خطوط الأنابيب والممرّات البرية إلى الواجهة. أي أن استخدام إيران للمضيق كورقة ضغط يدفع خصومها، وحتى بعض جيرانها، إلى الاستثمار أكثر في عالم أقلّ اعتمادًا على هرمز.
وهنا المفارقة الأكبر. القوّة الإيرانية طوال عقود قامت جزئيًا على أن هرمز لا يمكن تجاوزه. أما اليوم، فكلّ يوم يبقى فيه المضيق غير مستقرّ يُعطي العالم سببًا إضافيًا للبحث عن كيفية تجاوزه. وهذا ربّما ما كان يقصده لاريجاني عندما تحدّث عن ورقة تُلعب مرّة واحدة. ليس فقط لأنّ استخدامها قد يستدعي ردًّا كبيرًا، بل لأنّ قيمة الورقة نفسها قد تبدأ بالتراجع بعد استخدامها. لذلك، قد لا يكون السؤال الأساسي اليوم متى يُفتح مضيق هرمز، بل ماذا سيبقى من قيمته الاستراتيجية إذا خرجت المنطقة من هذه الحرب وقد بنت فعلًا طرقًا للالتفاف عليه؟