11 أيلول/ سبتمبر 2001 كان في العمق بداية نهاية "القاعدة" وأسامة بن لادن، كما كان 7 أكتوبر بداية نهاية "حركة حماس" وزمن اسماعيل هنية ويحيى السنوار، ثم كان 8 أكتوبر بداية تلاشي "حزب الله" وقادته في لبنان وعلى رأسهم حسن نصر الله. هكذا تسير الأمور في العالم، وهكذا تسير السياسة الدولية، بحيث لا تغفر الأخطاء الكبيرة، وإن كانت هفوات كثيرة قد غُفرت في السابق.
ثم أتى يوما 15 و16 أيلول 2026، لتكريس التلاشي السياسي لـ"حزب الله" الذي تلا الهزيمة العسكرية في الميدان. فعلى مرأى من الجميع ظهر "حزب الله" بكامل ضعفه ووهنه السياسي في جلستي مساءلة الحكومة في المجلس النيابي.
الكثير من الصراخ، الكثير من الجلبة، الكثير من الكلام السوقي والإهانات المتساقطة من هنا وهناك على أي زميل معارض أو أي فكرة واقعية تدين "حزب الله" وتسائله حول الحرب التي أقحم نفسه بها. ومن يصرخ كثيراً في مفاهيم علم النفس إما يتألم كثيراً أو يخطئ كثيراً.
النائب علي عمار قال لزميلته بولا يعقوبيان إنها غير مؤدبة فيما استخدم إيهاب حمادة تعبير "السفهاء" تعليقاً على كلمة النائب ميشال معوّض.
واللغة هنا تعني الكثير، وربما اختصر النائب حسين الحاج حسن ذاك الفصام المجنون حين قال لإحدى الصحافيات: "ما بدنا نعطي الثقة وما بدنا ننسحب من الحكومة"، مبرراً ذلك بأن نظام لبنان ليس أكثرياً، بل هو طائفيّ! بغض النظر عن لا معنى ذلك، لكن "حزب الله" سبق أن فعلها وأسقط حكومات عدة قبل الآن، ألم يكن وقتها نظام لبنان طائفياً؟
بلى، ولكن لم يكن "حزب الله" مهزوماً وقتها، ولم يكن المرشد الأعلى قد اغتيل بعد، ولم تكن الذخيرة قد نفدت بعد، ولم تكن مرتفعات علي الطاهر وبنت جبيل والخيام قد سقطت بعد. ولم يكن الاحتلال قد وصل إلى كفركلا وعيترون ومارون الراس وكفرتبنيت وحلتا...
انسحب "حزب الله" من جلسة مجلس النواب قبل طرح الثقة، وهي حركة أشبه بالهروب أمام الامتحان حين تكون النتيجة محسومة والرسوب قضاء وقدراً. كل الصراخ الذي أدلى به نواب "حزب الله" فقد المعنى لحظة الهروب، وبقي "التيار الوطني الحر" في الداخل، كآخر جندي في معركة خاسرة، وحجب الثقة عن الحكومة بـ12 صوتاً يتيماً، تشكل في الواقع حجم التيار الفعلي، بعدما هجرته مجموعة من ألمع جنوده. حصلت الحكومة على الثقة مجدداً، فيما توّجت الجلسة هزيمة سياسية لـ"حزب الله" بعد خسارته العسكرية التي بدأت يوم 8 أكتوبر.
وكان واضحاً أن الرئيس نبيه بري لا يريد أي اشتباك مع الحكومة، فبدا نواب "حركة أمل" خافتي الحضور، هادئين، فيما كان نواب "حزب الله" في قمة انفعالهم ومظلوميتهم. كان نواب "أمل" جمهور الجلسة، يتفرّجون، ولا يتكلّمون كثيراً، وفي آخر الجلسة منحوا الحكومة الثقة والسلام عليكم.
وحين خرج نواب الحزب من الجلسة، لم يتأثر بري بـ"انكسار الأخوة"، أكمل حياته بشكل طبيعي، طرح الثقة للتصويت، ثم رفع الجلسة وعاد إلى بيته. وتكون الطعنة من الأقربين أقسى بكثير من تلك التي تأتي من بولا يعقوبيان أو زياد حواط في حالة "حزب الله".
لقد أصبحت إهانة "المقاومة" في مجلس النواب أمراً عادياً، سقط المقدّس، وبات عادياً أن تسمع نائباً يقول: "روحوا تبهوروا عإسرائيل مش علينا". الانكسار في مفهوم العسكر وغياب المقاومة في الميدان لا سيما في الأشهر الأخيرة فيما الجنوب يُباد، كانا أقلّ قسوة من تلك المهزلة التي منيَ بها "حزب الله"، كحزب سياسي لم يعد يأبه له أحد... حين سقط السلاح، سقط "حزب الله"، بهتت هيبة أمينه العام وغاب طيف محمد رعد، رئيس كتلة الحزب النيابية، الذي يسجّل صمتاً مدوياً منذ أشهر... إنه تمثيل حقيقي للتلاشي الذي يصيب "حزب الله" منذ 8 أكتوبر وحتى انسحاب نوابه من البرلمان من دون أن يبالي أحد.