يواصل المتمرّدون الحوثيون تصعيد هجماتهم الإرهابية على السعودية بتوجيه من إيران ودعمها، في إطار محاولة طهران لرفع كلفة حرب الاستنزاف التي تخوضها مع واشنطن، قبل أقلّ من شهرين من الانتخابات النصفية الأميركية. إلّا أن التداعيات السلبية على الاقتصاد العالمي لهجمات الحوثيين على منشآت الطاقة السعودية وسيطرتهم على الساحل الغربي لليمن ومضيق باب المندب قد تدفع واشنطن، غير المتحمّسة للعودة إلى العمليات العسكرية الكبرى ضدّ إيران وللانخراط مباشرة في القتال ضدّ الحوثيين حاليًا، إلى تغيير موقفها، خصوصًا بعد الانتخابات.
كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أمس، أنه يقترب من منعطف حاسم في الحرب مع إيران، يتعلّق بما إذا كان سيستأنف هجمات واسعة النطاق في محاولة لإنهاء الصراع، لكنّه ترك الباب مفتوحًا لكلّ الاحتمالات، قائلًا: "أمامي قرار كبير. هل أريد أن أدخل وأسحقهم (النظام الإيراني) أم لا؟ أي شيء قد يحدث معي". في الوقت عينه، ذكر أن إيران على اتصال مباشر مع بلاده ولا تزال تريد التوصّل إلى اتفاق، بينما أكدت الخارجية الأميركية أنها ستمنح تأشيرات لوفد إيراني لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الأسبوع المقبل. وأكد مصدر مطلع لوكالة "فرانس برس" أن الوفد سيشمل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.
وتأتي تصريحات ترامب قبل اجتماع مقرّر مع قادة دول الخليج وممثّلين عنهم في نيويورك الثلثاء المقبل. وأوضح أنه يريد استخدام الاجتماع للاستماع مباشرة إلى حلفائه بشأن الخطوات التالية في الحرب، فيما امتنع عن القول ما إذا كان سيحسم المسار المقبل قبل الانتخابات أو بعدها. ومن المتوقّع أن يركّز الاجتماع أيضًا على أفكار أميركية لاستراتيجية ما بعد الحرب، في وقت يعمل فيه ترامب وفريقه الرفيع المستوى على خطة لـ "اليوم التالي"، يُتوقّع الانتهاء من إعدادها بعد الانتخابات، وفقًا لموقع "أكسيوس".
ومن المقرّر أن يستضيف ترامب الرئيس الصيني شي جينبينغ في واشنطن الخميس المقبل. ومن المتوقّع أن يتناول الطرفان الحرب الأميركية - الإيرانية والتحرّكات العسكرية الحوثية الأخيرة. غير أن احتمالات أن تنتج هذه القمة نتائج ملموسة بشأن تلك الملفات تبقى ضعيفة. صحيح أن الصين لها مصلحة اقتصادية في إبقاء الملاحة البحرية بعيدة من رقعة الصراع، لكنّها ترى أيضًا مصلحة استراتيجية في استنزاف أميركا وإبقائها عالقة في وحول الشرق الأوسط، فيما تعزّز بكين نفوذها وقواها العسكرية في أقصى شرق آسيا على حساب واشنطن وحلفائها.
انطلاقًا من ذلك، برزت تقارير صحافية عدّة تفيد بأن الصين تساعد إيران بطرق مختلفة في حربها مع أميركا. وأوضحت مصادر لوكالة "رويترز" أن مسؤولين صينيين حضّوا طهران أخيرًا على كبح جماح الحوثيين، بناءً على طلب السعودية، لكنّهم لم يوجّهوا أي تهديدات صريحة، ولم يلمحوا إلى أن بكين ستسعى للضغط على إيران اقتصاديًا إذا لم تتجاوب. كما استخدمت روسيا والصين حق النقض في مجلس الأمن ضدّ مشروع قرار أميركي بشأن تمديد ولاية لجنة عقوبات خاصة بإيران، فيما بحث وزير الخارجية الصيني وانغ يي ونظيره الأميركي ماركو روبيو هاتفيًا الوضع في الشرق الأوسط، بعد يوم من زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الصين.
أما في إطار مساعي واشنطن إلى تعزيز قدرات حلفائها العسكرية، فوافقت الخارجية الأميركية على البيع المحتمل لـ 48 مقاتلة من طراز "أف 35" إلى السعودية بقيمة تُقدّر بنحو 24.3 مليار دولار، في خطوة من شأنها إثارة غضب إسرائيل، إذ إنها الدولة الوحيدة في المنطقة التي تملك هذا الطراز من المقاتلات.
في الغضون، ارتكب الحوثيون جريمة إرهابية جديدة في صراعهم مع السعودية، إذ قُتل رجل يمني وأصيبت امرأة سعودية ورجل باكستاني في محافظة الطائف السعودية، إثر سقوط شظايا ناجمة عن اعتراض طائرة مسيّرة أطلقها الحوثيون. وشكّل المقيم اليمني الراحل أوّل شخص تعلن الرياض مقتله هذا الشهر منذ أن كثّف الحوثيون هجماتهم الإرهابية على المملكة. وأفادت "رويترز" بأن ثلاث محطات ضخّ تخدم خط الأنابيب الحيوي شرق - غرب في السعودية تضرّرت في هجوم الأسبوع الماضي، الأمر الذي قد تستغرق معالجته أسابيع، ما ينذر باحتمال تفاقم أزمة الطاقة خلال الفترة المقبلة.
أما في اليمن، فتستمرّ المواجهات العسكرية الضارية بين قوّات الحكومة الشرعية والحوثيين على أكثر من جبهة، خصوصًا في المناطق القريبة من باب المندب، إذ تحاول قوّات الحكومة إبقاء الحوثيين تحت الضغط بهدف عدم إعطائهم متنفسًا لتكريس سيطرتهم المستجدّة على الساحل الغربي لليمن. وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد محمد العليمي أن الحكومة الشرعية قادرة على استعادة زمام المبادرة في الساحل الغربي، جازمًا بأن أي تطوّر ميداني موَقت لن يغيّر هدف استعادة مؤسسات الدولة والأراضي اليمنية كافة.
وأكد العليمي أن ميليشيا الحوثي تتلقّى "ضربات موجعة" في محاور تعز ومأرب ولحج والجوف وحجة والبيضاء والضالع. ورأى أن وجود دولة يمنية قوية يُمثّل ضرورة للأمن الإقليمي والدولي، معتبرًا أن حرّية الملاحة في البحر الأحمر والمضائق الدولية "أمر غير قابل للتفاوض". وأسفرت المعارك بين الحوثيين وقوّات الحكومة عن مقتل 63 شخصًا خلال الساعات الـ 24 الماضية، بينهم 40 حوثيًا، وفقًا لـ "فرانس برس". وكشفت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أن ناقلة متّجهة غربًا أبلغت عن مطاردة زورق صغير لها ومحاولة اعتراضها على بُعد 75 ميلًا بحريًا شرق عدن، في حادثة من شأنها أن تفاقم المخاوف المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة عقب التقدّم الميداني الحوثي الأخير.