جوزيف حبيب

صحوة الغرب

3 دقائق للقراءة
حانت ساعة الحقيقة (رويترز)

لماذا يتفاجأ محلّلون بالصعود السريع لليمين الحازم في الغرب؟ ألا يتابعون التحوّلات الجوهرية في بنية مجتمعاته؟ ألم يقرأ هؤلاء المُتعالمون تاريخ هذه الشعوب ويستخلصوا عِبره؟ لكنّ المسألة تتجاوز قصر نظر العاجزين عن قراءة تغيّرات تمسّ مصير تلك الشعوب ومستقبل أجيالها. فقد أحدثت سياسة "الأبواب المفتوحة"، التي انتهجتها النخب التقليدية الحاكمة في العقدين الأخيرين، صدمة عميقة زلزلت أركان المجتمعات الغربية، ومهّدت لتشكّل "ثورة مضادة" على "الصوابية السياسية" و"الووكيسم" وعقدتَي الذنب والمظلومية، وعلى التفاهات الأيديولوجية التي أضلّت المراهقين فكريًّا ودفعتهم إلى سلوك درب لا يشبههم البتّة.

سبق أن كتبت في السنوات الماضية أن العالم الغربي سيعتاد ما كان يُنظر إليه على أنه "صدمات انتخابية"، مع أنها في حقيقتها ليست سوى نتيجة طبيعية لنهج أثبت فشله مرارًا وتكرارًا. كما توقّعت أن تتولّى قيادات صارمة من اليمين الحازم، في المدى المنظور، زمام الحكم في قصر الإليزيه ومبنى المستشارية ومقرّات أخرى، فتُسهم في إحياء هويّة بلدانها الفعلية وترسيخها، بلا خجل وبعيدًا من نظريات الاندماج القاتلة. وتنبئ المؤشّرات بانتصارات مرتقبة سيُحقّقها هذا التيار في دول ظلّ فيها محاصرًا ومعزولًا، خصوصًا مع تصدّره استطلاعات الرأي الوطنية في أكبر عضوَين بالاتحاد الأوروبي: ألمانيا وفرنسا.

لقد استشعر دافعو الضرائب خطرًا وجوديًّا يهدّد معاقلهم، فحسموا أمرهم وبدأوا يختارون من يرونهم الأقدر على تحييده. لا يطرح أصحاب الحسّ السليم مطالب تعجيزيّة. فكلّ ما ينشدونه هو أن تعود شوارعهم آمنة ونظيفة، وأن تتحسّن قدرتهم الشرائية، وألّا تستقبل بلدانهم إلّا مَن يستحقّون فعلًا المجيء إليها. لقد غدت قضايا الهويّة والحرّيات واحترام النظام والقوانين "نيرانًا متّقدة" تؤجّج التطلّع إلى غدٍ أفضل لدى شريحة واسعة من الرأي العام، تنقم على كلّ مَن أسهم في تراجع أحوال البلاد. وتغذّي هذه الأجواء المتصاعدة الأحزاب المقدامة بـ "دماء سياسية" جديدة، تحمل رؤية إصلاحية متكاملة تهدف إلى التحرّر من "الأزمنة البائسة".

تعلو الأصوات المطالبة بـ "حلول جراحية" تُعالج جذور المعضلات المطروحة بأبعادها كافة. فبعد مسار مشبّع بالتجارب السيّئة والمكلفة، لم يعد ثمّة مكان للمقاربات التسووية وأنصاف الحلول التي تفاقم المشكلات وتُبقي القنابل الموقوتة كامنة، حتى تنفجر عند أيّ استحقاق يرى فيه الحاقدون فرصة لنشر الفوضى، أو خوض مغامراتهم الهدّامة، أو تنفيذ أجنداتهم الخبيثة. يتغيّر الغرب بسرعة، ولا سيّما أوروبا، "القارة المتجدّدة" التي تستعيد قيمها وثقافتها. وفي المقابل، يُكثّف أعداء الحرّية محاولاتهم لهدم الحضارة الغربية وهزيمتها، وإحلال نماذج متخلّفة مكانها، يستوردونها من أماكن موبوءة تفتقر إلى مقوّمات العيش الكريم.

من الغريب أن يصرّ المؤدلجون والجاهلون وعديمو البصيرة على تحويل محيطهم، حيثما ذهبوا، إلى "مستنقعات مميتة". يرفض الرجعيّون مواكبة الحداثة، ويذهبون إلى حدّ عبور المحيطات ليقفوا عائقًا أمام الساعين إليها. لكن الوقت لم يعُد يعمل لمصلحتهم؛ فقد حانت ساعة الحقيقة.