د. رندة طباع

الخريف الواعد بعد جنازة الصيف

دقيقتان للقراءة
الخريف حصاد لما سبق وهدوء بعد الصخب (صورة AI)

وإذا بي جالسة أنظر من شباك غرفتي إلى لوحة طبيعية هادئة، تحاكي بجمالها الجنان السماوية، وإذا بموسيقى فيفالدي، "الفصول الأربعة"، تنساب إلى مسمعي، فتحرّكت في داخلي مشاعر لم أفهمها، لكنني شعرت بها حتى غيّرت شيئًا في كياني.

إنه الصيف...

لم يكن صيفًا هادئًا كما تخيّلته. بدأ بثقل الحر والخمول والقلق؛ فراغ ما بعده فراغ، وانعدام للجاذبية، حتى شعرت أنني عالقة في ثبات عميق كئيب، لا أسقط ولا أحلّق. ثم، شيئًا فشيئًا، كما في "صيف فيفالدي"، أخذ التوتر يتصاعد، وتراكمت الغيوم في سماء الروح، حتى انفجرت العاصفة.

أهي ذروة الحياة؟ أم ذروة الاحتراق؟ أهو الامتلاء حين يبلغ أقصاه، أم التعب والانهيار اللذان يأتيان بعد فرط الامتلاء؟

ثم جاء الخريف لينقذني من هذا الثبات.

جاء كاحتفال بعد الحصاد؛ موسيقى مفعمة بالحركة والبهجة، كأن الأرض، بعدما أعطت كل ما لديها، قررت أن ترقص قليلًا قبل أن تستريح.

وهل يأتي السكون والنوم مجددًا؟

ربما... لكنني أدركت أن الخريف ليس فصلَ موت كما اعتقدنا. إنه حصاد لما سبق، وهدوء بعد الصخب، وفهم يأتي متأخرًا لما عجزنا عن فهمه ونحن في قلب العاصفة.

إنه مراقبةٌ من بعيد لأحداث غيّرت مجرى الكون الصغير في داخلي، بمقلتَين أضناهما الغموض وأرهقتهما شدة الإحساس.

إنه راحة تستقبل المجهول بفرح وإيمان، وتوقن أنّ الأرض التي تبدو قاحلة قد تخبئ في أحشائها بذور حياة لم يحن موعدها بعد. فمهما حدث في ذاك الصيف، ومهما احترقت الأرض تحت شمسه، لا بد للحياة أن تنبت مجددًا.

وأنا، بعد جنازة الصيف، لا أنتظر الشتاء بخوف، بل أترقب ربيعًا خريفيًا ينبت في أرضي القاحلة الخصبة، ويهمس لي بأنّ سقوط الأوراق ليس موتًا، وأنّ لكل نهاية موسمًا آخر، وأنّ الأمل قد يولد تحديدًا حين نظن أن كل شيء قد انتهى.