تضع الهجمات الحوثية على السعودية "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" أمام اختبار مبكر: ترجمة التعهّدات السياسية إلى قدرة ردع فعلية. وبين استعداد باكستان للذهاب إلى "أبعد مدى" وحذر تركيا من جدوى التدخل العسكري، تظهر مقاربتان مختلفتان لطبيعة الالتزام وحدود استخدام القوّة، في لحظة تتداخل فيها الحرب اليمنية مع المواجهة الأميركية ـ الإيرانية.
تتبنّى إسلام آباد خطابًا حاسمًا يمنح الرياض سندًا سياسيًا وعسكريًا، ويرفع كلفة استمرار الهجمات في حسابات الحوثيين وداعميهم الإيرانيين. ويحمل ربط الدفاع عن المملكة بأمن الحرمين الشريفين دلالة إضافية، خصوصًا بعد الاتهام السعودي للحوثيين بمحاولة استهداف مكة. فبهذا الربط، تكتسب الاستجابة الباكستانية بعدًا إسلاميًا جامعًا، يساعد على توسيع التأييد لأي خطوات دفاعية محتملة. ومع ذلك، تظلّ عبارة "أبعد مدى" مفتوحة على مستويات متعدّدة من الدعم، من دون تحديد معلن لطبيعة المشاركة العسكرية أو توقيتها.
في المقابل، تفصل أنقرة بين الالتزام بالتحالف وقرار خوض العمليات. ويتيح تأكيد مصدر دبلوماسي تركي لوكالة "فرانس برس" غياب طلب سعودي رسمي إبقاء الموقف ضمن هامش الانتظار، فيما تكشف ملاحظاته عن القصف وتجربة غزة تشكّكًا أعمق في قدرة التفوّق العسكري على إنتاج حسم سياسي. ومن هذه الزاوية، يبدو الحذر التركي متّصلًا بالسؤال عن أهداف التدخل ومآلاته، بقدر اتصاله بشروط تفعيله.
ويكشف تشبيه بناء التحالف بتأسيس حلف "الناتو" إدراكًا لحجم الفجوة بين توقيع الاتفاقية وامتلاك منظومة دفاع مشترك. فتنسيق العمليات وتحديد قواعد الاشتباك وتوزيع المسؤوليات تشكّل شروطًا لتحويل التعهّد إلى أداة قابلة للاستخدام. ويعني ذلك أن اختبار اليمن يضغط على تحالف ما زال يحتاج إلى بناء آليات عمله.
أمام هذا التباين، تحتاج السعودية إلى وضوح يتجاوز قوّة التصريحات: ماذا سيقدّم كلّ حليف؟ ومتى؟ وتحت أي شروط؟ فقد تتكامل الرسالة الباكستانية الرادعة مع الحسابات التركية الحذرة إذا أفضتا إلى استجابة منسّقة تحمي المملكة. أما استمرار المسافة بين سقف التعهّدات وحدود الاستعداد العملي، فمن شأنه منح الحوثيين مساحة لاختبار صدقية التحالف. ويتحدّد وزن "اتفاقية مكة" بقدرتها على جعل الاعتداء على أحد أطرافها مكلفًا، مع ضبط مخاطر الانزلاق إلى حرب أوسع.
توازيًا، تعكس تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة تجاه إيران مقاربة تجمع بين إبقاء باب التفاوض مفتوحًا والتلويح بمزيد من التصعيد العسكري، في محاولة لانتزاع اتفاق يُلبّي شروط واشنطن. فإعلانه إجراء محادثات مع الحوثيين، بالتوازي مع تأكيده رغبة إيران في التوصل إلى اتفاق، يوحي بأن الإدارة الأميركية تستكشف مسارات تفاوضية مع طهران والجماعة المدعومة منها، من دون أن يتّضح ما إذا كانت هذه المسارات مترابطة أو منفصلة.
ويقدّم ترامب الضغوط المالية والعسكرية بوصفها العامل الذي يدفع إيران إلى التفاوض، مستندًا إلى تقييمه بأنها "تخسر من كلّ النواحي". كذلك، فإنّ اشتراطه اتفاقًا "صحيحًا" يترك سقف المطالب الأميركية عاليًا. أما تركه الخيار العسكري موجودًا على الطاولة، فيحافظ على الغموض ويُبقي التهديد حاضرًا في خلفية المحادثات. وعليه، تشير تصريحاته إلى توظيف التفاوض والضغط معًا، أكثر ممّا تؤشّر إلى تسوية ناضجة أو قرار محسوم بالتصعيد.