ريان عبدالله

مَحْكَمَةُ الذَّاتِ

3 دقائق للقراءة

أَكْثَرُ الْمَحَاكِمِ عَدْلًا… مَحْكَمَةُ الذَّاتِ.

لَيْسَتْ أَقْسَى الْمَحَاكِمِ تِلْكَ الَّتِي يَقِفُ فِيهَا الْإِنْسَانُ أَمَامَ قَاضٍ، بَلْ تِلْكَ الَّتِي يَقِفُ فِيهَا وَحِيدًا أَمَامَ نَفْسِهِ.

فَهُنَاكَ، لَا تَنْفَعُ الْبَلَاغَةُ كَثِيرًا، وَلَا تَسْتَطِيعُ الْأَعْذَارُ أَنْ تَتَزَيَّنَ طَوِيلًا، وَلَا يُمْكِنُ لِلْحَقِيقَةِ أَنْ تَخْتَبِئَ خَلْفَ رِوَايَةٍ نُبَرِّرُ بِهَا لِلْآخَرِينَ.

هِيَ الْوَحِيدَةُ الَّتِي تَعْرِفُ مَا لَا يَرَاهُ الْآخَرُونَ: النِّيَّةَ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَالتَّرَدُّدَ قَبْلَ الْقَرَارِ، وَالْخَوْفَ الْمُتَخَفِّيَ خَلْفَ الْقَسْوَةِ، وَالضَّعْفَ الَّذِي تَنَكَّرَ أَحْيَانًا فِي هَيْئَةِ قُوَّةٍ.

أَمَامَ النَّاسِ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَشْرَحَ، وَأَنْ نُبَرِّرَ، وَأَنْ نَخْتَارَ مِنَ الْحِكَايَةِ مَا يَخْدِمُ صُورَتَنَا. أَمَّا أَمَامَ أَنْفُسِنَا، فَالْحَقِيقَةُ أَقَلُّ قَابِلِيَّةً لِلتَّجْمِيلِ. نَعْرِفُ أَيْنَ أَخْطَأْنَا فِعْلًا، وَأَيْنَ كُنَّا عَلَى حَقٍّ، وَأَيْنَ كَانَ صَمْتُنَا حِكْمَةً، وَأَيْنَ كَانَ هُرُوبًا، وَأَيْنَ كَانَ مَا سَمَّيْنَاهُ كَرَامَةً مُجَرَّدَ عِنَادٍ.

وَمَعَ ذَلِكَ، لَيْسَتْ مَحْكَمَةُ الذَّاتِ مَكَانًا لِلْعِقَابِ وَحْدَهُ. فَعَدْلُ هَذِهِ الْمَحْكَمَةِ لَا يَكْتَمِلُ بِالْقَسْوَةِ. الْعَدْلُ الْحَقِيقِيُّ لَا يَعْنِي أَنْ نَجْلِدَ أَنْفُسَنَا كُلَّمَا أَخْطَأْنَا، وَلَا أَنْ نُعِيدَ مُحَاكَمَتَهَا عَلَى الذَّنْبِ نَفْسِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ.

فَمُحَاسَبَةُ النَّفْسِ شَيْءٌ، وَإِدَانَتُهَا إِلَى الْأَبَدِ شَيْءٌ آخَرُ.

لَيْسَ مِنَ الْعَدْلِ أَنْ نُحَاكِمَ نُسْخَةَ الْأَمْسِ بِوَعْيِ الْيَوْمِ، وَلَا أَنْ نَطْلُبَ مِنْ أَنْفُسِنَا الْقَدِيمَةِ أَنْ تَعْرِفَ مَا تَعَلَّمْنَاهُ بَعْدَمَا دَفَعْنَا ثَمَنَهُ. فَالذَّاتُ الْعَادِلَةُ تَعْرِفُ أَنْ تَعْتَرِفَ دُونَ أَنْ تَهْدِمَ، وَأَنْ تَنْدَمَ دُونَ أَنْ تَحْتَقِرَ نَفْسَهَا، وَأَنْ تَتَحَمَّلَ مَسْؤُولِيَّةَ مَا فَعَلَتْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَحْصُرَ وُجُودَهَا كُلَّهُ فِي خَطَأٍ.

وَلِذَلِكَ، فَأَصْدَقُ مَحْكَمَةٍ لَيْسَتِ الَّتِي تُبَرِّئُنَا دَائِمًا، وَلَا الَّتِي تُدِينُنَا دَائِمًا، بَلِ الَّتِي تَضَعُ الْحَقِيقَةَ أَمَامَنَا كَامِلَةً، ثُمَّ تَسْأَلُنَا السُّؤَالَ الْأَصْعَبَ: هَلْ تَعَلَّمْتَ؟ وَمَاذَا سَتَفْعَلُ؟

ثُمَّ تُصْدِرُ الْحُكْمَ الْوَحِيدَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى عَدْلًا:

أَنْ نُصْلِحَ مَا يُمْكِنُ إِصْلَاحُهُ…

أَنْ نَعْتَذِرَ حِينَ يَجِبُ…

أَنْ نَتَعَلَّمَ حِينَ لَا يَعُودُ الِاعْتِذَارُ كَافِيًا…

وَأَنْ نَغْفِرَ لِأَنْفُسِنَا بَعْدَمَا نَكُونُ قَدْ تَغَيَّرْنَا فِعْلًا.

فَلَيْسَ النُّضْجُ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ مَحْكَمَةِ ذَاتِكَ بَرِيئًا دَائِمًا؛ النُّضْجُ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَكْثَرَ صِدْقًا مِمَّا دَخَلْتَ.

إِنْ كَانَ الْخَطَأُ قَدْ زَادَكَ وَعْيًا، وَالنَّدَمُ قَدْ غَيَّرَ فِيكَ شَيْئًا، وَالْمُرَاجَعَةُ قَدْ أَعَادَتْكَ إِلَى نَفْسِكَ أَكْثَرَ صِدْقًا…

فَرُبَّمَا تَكُونُ الْعَدَالَةُ قَدْ أَخَذَتْ مَجْرَاهَا… لَا بِالْعُقُوبَةِ، بَلْ بِالنُّضْجِ.