العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا

المشكلة أعمق من السلاح: أي استراتيجية لاستعادة الدولة؟

12 دقيقة للقراءة
منازل مدمّرة في المنصوري جنوب لبنان (رويترز 19-09-2026)

قرأت باهتمام مقال الأستاذ جان عزيز بعنوان "لا تدعوا اتفاق السلام مع لبنان يثبت صحة موقف "حزب الله"". وإذا كان هذا الطرح يعكس جزءًا من التفكير الاستشاري المحيط برئاسة الجمهورية، فهو يستحق نقاشًا جديًا، لأن المسألة لا تتعلق فقط بترتيب خطوات بين لبنان وإسرائيل، بل بالسؤال الأكبر: أي لبنان نريد بناءه بعد هذه الحرب؟

ولكن قبل أن أبدأ بمناقشة الأفكار الواردة في المقال المذكور، أود أن أتوقف عند عنوانه: "لا تدعوا اتفاق السلام مع لبنان يثبت صحة موقف "حزب الله""، لأن لدي ملاحظتين أساسيتين على هذا العنوان. أولًا، العنوان يتحدث عن "اتفاق السلام مع لبنان"، من دون أن يوضح السلام مع مَن؟ وهذا ليس تفصيلًا لغويًا بسيطًا، بل سؤال جوهري، لأن تحديد أطراف الاتفاق يجب أن يكون في صلب أي نقاش جدي حوله. ثانيًا، أعتقد أن المشكلة تبدأ من الإطار الذي يضع فيه العنوان المسألة، إذ يحوّل النقاش إلى سؤال عمّا إذا كان الاتفاق سيُثبت صحة موقف "حزب الله" أو عدم صحته. صحيح أنني أرى أن "حزب الله" أخطأ في خياره الاستراتيجي، وفي وضع لبنان في موقع المواجهة والحرب خدمةً لأجندة محور إيران-"حزب الله"-أمل، لكن نجاح أي اتفاق مع إسرائيل لا ينبغي أن يُقاس بما إذا كان قد أثبت أن "حزب الله" كان على حق أو على خطأ. المعيار يجب أن يكون مختلفًا جذريًا: هل يساهم الاتفاق في استعادة سيادة لبنان، وتعزيز استقرار نظامه السياسي؟ فعندما نجعل "إثبات صحة موقف "حزب الله"" معيارًا، فإننا نبقي النقاش أسيرًا لحسابات المحور، بدلًا من نقله إلى السؤال الذي يجب أن يكون في صلب أي مقاربة وطنية: ما الذي يخدم لبنان، وكيف يمكن لهذا المسار أن يساعد في استعادة الدولة وبناء دولة قادرة على حماية سيادتها واستقرارها واتخاذ قراراتها بنفسها؟ ومن هذا المنطلق، أرى أن النقاش يجب ألا يكون حول من خرج على حق ومن خرج على خطأ، بل حول السلام المطروح، وشروطه، وما إذا كان المسار المقترح يقرّب لبنان من الدولة التي يحتاجها ويستحقها.

أولًا: السيادة لا يمكن أن تنتظر الانسحاب

يرى الكاتب أن الانسحاب الإسرائيلي الكامل يشكّل أحد الشروط الأساسية التي تجعل إنهاء الدور العسكري ل"حزب الله" ممكنًا سياسيًا. بالطبع، استعادة كل شبر من الأراضي اللبنانية يجب أن تبقى هدفًا، لكن المشكلة تكمن في ترتيب العلاقة بين الانسحاب واستعادة السيادة. فإذا كان الانسحاب الإسرائيلي الكامل هو المدخل إلى إنهاء الدور العسكري ل"حزب الله"، يبقى السؤال الأساسي: إذا انسحبت إسرائيل من الجنوب، مَن يضمن ألّا يعود "حزب الله" إلى المنطقة، وأن يعيد بناء بنيته العسكرية والأمنية فيها؟ فهذا السؤال لا يمكن تجاهله، ولا سيما أن التجربة وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب أظهرت أن الدولة لم تتمكن من نزع سلاح "حزب الله" أو تفكيك بنيته التحتية فضلًا عن أن هذه الإشكالية تجددت بصورة أكثر وضوحًا بعد حرب إسناد غزة.

من الصعب، في البيئة الأمنية التي نشأت بعد 7 تشرين الأول، أن نتوقع من إسرائيل أن تقول: سننسحب أولًا، ثم ننتظر لنرى ما إذا كانت الدولة اللبنانية ستنجح لاحقًا في معالجة سلاح "حزب الله". قد نرفض هذا المنطق، لكن لا يمكن أن نبني استراتيجية وطنية تتجاهل الطريقة التي يقرأ بها الطرف الآخر أمنه.

أما الحل الأكثر واقعية، في رأيي، فهو اعتماد مسار متزامن ومتدرّج ومستقر ومستدام يبدأ بإعلان تعبئة عامة وحالة طوارئ وطنية، يترافق مع إعلان المناطق العسكرية تباعًا، وانتشار الجيش اللبناني تدريجيًا فيها وتسلمه الفعلي للمسؤوليات الأمنية. وبالتوازي، يجب العمل على تفكيك البنية العسكرية للمحور وللفصائل الفلسطينية، وضبط الحدود والمعابر، بما يعيد حصر القرار الأمني والعسكري بالدولة. ومع إظهار قدرة الدولة والجيش على فرض هذه الضمانات الأمنية وحمايتها، يمكن أن يترافق المسار مع انسحاب إسرائيلي مرحلي من الأراضي اللبنانية، عودة السكان إلى مناطقهم، وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار وعودة الحياة الطبيعية، ضمن إطار يقوم على مبدأ خطوة مقابل خطوة، وصولًا إلى سيادة الدولة الكاملة على أراضيها.

ثانيًا: علينا الحذر من تبنّي فرضية "حزب الله" الأساسية

المقال يقول بصورة واضحة إن على الدولة أن تثبت أنها قادرة على توفير الحماية للبنان التي يقول "حزب الله" إن سلاحه يوفرها. وهنا لديّ اعتراض جوهري على منطق هذه المقاربة، لأنها قد تنقل النقاش إلى سردية "حزب الله" نفسه، عندما يدّعي أنه الأقدر على حماية لبنان. المشكلة الأساسية ليست في إثبات ما إذا كان سلاح "حزب الله" أكثر أو أقل قدرة على توفير الحماية، ولا في الدخول في منافسة عسكرية مع المحور لإثبات أن الدولة قادرة على أن تكون "مقاومة أفضل". فالسؤال الجوهري هو: من أعطى حزبًا سياسيًا الحق في أن يحدد مفهوم الأمن القومي للبنان؟ ومنحه حق تقرير متى تُفتح الجبهات، ومتى يدخل لبنان حربًا أو يخرج منها؟ ومن أعطاه حق ربط أمن لبنان بغزة أو بإيران أو بأي ساحة إقليمية أخرى؟ هنا تكمن المشكلة الحقيقية. الدولة اللبنانية ليست مطالبة بأن تثبت أنها تستطيع أن تحل محل "حزب الله" في وظيفة "المقاومة"، بل أن تستعيد حقها الحصري في تعريف المصلحة الوطنية، وتحديد التهديدات التي تواجه لبنان، وحصر استخدام القوة وقرار الحرب والسلم بمؤسساتها الشرعية. وهذه ليست مسألة فعالية عسكرية أو مقارنة في القدرات، بل مسألة شرعية وسيادة ودستور قبل أن تكون أي شيء آخر.

ثالثًا: لا نريد العودة إلى انتظار حل القضية الفلسطينية

يستعيد المقال مبادرة السلام العربية لعام 2002، ويربط السلام اللبناني بالتسوية الأوسع وبالقضية الفلسطينية. لكن لبنان جرّب لعقود ربط مستقبله بصراعات المنطقة، وكانت النتائج كارثية عليه.

القضية الفلسطينية قائمة ولها أصحابها ومساراتها العربية والدولية. أما لبنان، فله دولة وحدود وشعب ومصالح وطنية يجب حمايتها، ولا أرى سببًا لأن يبقى مستقبل أبنائنا معلّقًا على حلّ نزاع إقليمي قد يستمر عقودًا.

لبنان أولًا. لا غزة أولًا، ولا طهران أولًا، ولا أي عاصمة أخرى.

رابعًا: "حزب الله" ليس ميليشيا تقليدية تُعالَج فقط ببرنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج

يتحدث المقال عن نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج والمقصود به برنامج يهدف إلى:

• نزع السلاح: جمع الأسلحة وتسليمها أو إتلافها.

• التسريح: إخراج المقاتلين من التنظيم المسلح وإنهاء خدمتهم العسكرية.

• إعادة الإدماج: مساعدة هؤلاء المقاتلين على العودة إلى الحياة المدنية، من خلال التدريب، أو العمل، أو التعويض، أو الاندماج في مؤسسات الدولة وفق القانون.

هذا جزء من الحل، لكنه ليس الحل كله.

برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج صُممت أساسًا لمعالجة مقاتلين وتنظيمات مسلحة خارجة من نزاعات. أما "حزب الله"، فقد أصبح خلال عقود منظومة قوة متعددة الأبعاد، له ذراع عسكرية، لكنه أيضًا يمتلك نفوذًا سياسيًا، وشبكات مالية واجتماعية وتعليمية وإعلامية، وعلاقات خارجية، وقواعد تعبئة، وشبكات مصالح وزبائنية، ونفوذًا داخل مؤسسات الدولة.

لذلك فإن السؤال ليس فقط: ماذا نفعل بالمقاتلين والسلاح؟ بل: ماذا نفعل بمنظومة القوة الموازية للدولة؟

إذا جُمعت الصواريخ وبقي التمويل الموازي، والنفوذ المؤسساتي، وشبكات المصالح، والقدرة على التعطيل السياسي، والاقتصاد غير الشرعي، والتعبئة العقائدية المرتبطة بمشروع إقليمي، فنكون قد عالجنا ظاهر المشكلة وتركنا جسدها حيًا. ومن هنا، فإن أول وأكثر ما يحتاجه الجيش ليس فقط السلاح والعتاد والتمويل، بل قرار سياسي حازم وصارم يتيح له تنفيذ مهماته كاملة، وبجميع الوسائل التي يتيحها القانون، وباستخدام القوة كلما دعت الحاجة إلى ذلك. فالجيش لا يستطيع أن يفرض سلطة الدولة إذا كان مطلوبًا منه أن يحافظ على الأمن بالتراضي، أو أن يتعامل مع قوى مسلحة وتنظيمات موازية بمنطق التسويات الدائمة. المطلوب هو جيش مقاتل، يعرف أن مهمته الأساسية هي فرض سيادة الدولة وحماية أراضيها، وأن احتكار القوة ليس شعارًا سياسيًا، بل ممارسة فعلية لا تحتمل الاستثناءات. فلا يمكن بناء دولة قوية بجيش يُطلب منه أن يراقب القوة الموازية أو يتعايش معها؛ بل بجيش يمتلك التفويض السياسي الواضح للقيام بدوره كاملًا، ضمن القانون، ومن دون تردد أو مساومات على حساب سيادة الدولة.

خامسًا: أين إيران من الاستراتيجية؟

المقال يعترف بالدعم الإيراني العسكري والمالي والأيديولوجي ل"حزب الله". لكن الاعتراف بالمصدر لا يكفي.

أي استراتيجية جادة يجب أن تسأل: كيف نمنع إعادة بناء القدرة العسكرية بعد نزع السلاح؟ كيف نوقف التمويل غير الشرعي؟ كيف نضبط الحدود البرية والبحرية والجوية؟ كيف نمنع إعادة تكوين شبكات عسكرية جديدة بعد خمس أو عشر سنوات؟

لذلك فإن السيطرة الكاملة على الحدود اللبنانية-السورية ليست تفصيلًا تقنيًا. إنها ركيزة من ركائز أي استراتيجية لنزع السلاح بصورة مستدامة.

فنزع السلاح من دون منع إعادة التسلّح ليس استراتيجية، بل استراحة بين جولتين.

سادسًا: الجيش يحتاج إلى أكثر من المال والتدريب

المقال محق في ضرورة دعم الجيش. لكن المسألة ليست فقط زيادة التمويل والتدريب والتجهيز. وإذا أردنا من الجيش أن يحتكر القوة، ويحمي الحدود، ويطمئن المجتمعات المحلية، فنحن بحاجة إلى التفكير في هندسة أمن قومي جديدة، وإعادة اختراع القوات المسلحة. نحتاج إلى جيش قادر على الانتشار المستدام، وقوات احتياط، ووحدات محلية مرتبطة بالمؤسسة العسكرية، ونظام متكامل لإدارة الحدود، وتنسيق استخباري مركزي، وقدرة وطنية للتخطيط وإدارة الأزمات ومكافحة الإرهاب.

لكن، في المقابل، لا يمكن معالجة مشكلة "حزب الله" من خلال التعامل مع السلاح وحده، لأن المرض الأساسي هو العقيدة التي يقوم عليها الحزب، فيما السلاح وتوابعه من بنية عسكرية وأمنية وشبكات تنظيمية ليست سوى أعراض لهذا المرض. وإذا كان السلاح هو التعبير المادي عن هذه العقيدة، فإن نزع السلاح، مهما كان ضروريًا، لن يكون كافيًا إذا بقيت البيئة الفكرية والتنظيمية التي تنتج هذه الثقافة وتعيد إنتاجها. والفكر لا يُحارَب بالسلاح، بل بالفكر؛ أي من خلال بناء منظومة وطنية تربوية وثقافية وإعلامية وتعليمية تعزز مفهوم الدولة والمواطنة واحتكار الدولة وحدها لقرار الحرب والسلم.

بمعنى آخر، المطلوب ليس فقط تقوية الجيش القائم، بل بناء منظومة أمن وطني تتناسب مع الدولة التي نريد بناءها.

سابعًا: لا يكفي أن تحل الدولة مكان خدمات "حزب الله"

يتحدث المقال، وبحق، عن ضرورة أن توفر الدولة الخدمات التي كانت المؤسسات المرتبطة ب"حزب الله" توفرها لبعض المواطنين.

لكن المطلوب أعمق. لا نريد استبدال زبائنية حزبية بزبائنية حكومية. نريد دولة مؤسسات: قضاء مستقل، إدارة فعالة، بلديات قوية، رقابة مالية، مكافحة فساد، اقتصاد منتج، خدمات صحية وتعليمية، وحكم محلي يجعل المواطن شريكًا في إدارة شؤونه بدل أن يبقى تابعًا لزعيم أو حزب أو شبكة خدمات.

وهنا نصل إلى السؤال الذي يغيب عن معظم النقاشات:

لماذا استطاعت دولة داخل الدولة أن تنمو أصلًا؟ إذا لم نعالج النظام السياسي والإداري الذي سمح بذلك، فقد ننهي نموذجًا اليوم لنجد نموذجًا مشابهًا بعد عشر سنوات.

ثامنًا: المشكلة ليست أمن الجنوب فقط، بل شكل الدولة اللبنانية

المطلوب ليس العودة إلى لبنان الذي كان موجودًا قبل الحرب الأخيرة.

ذلك النموذج نفسه أنتج الأزمات التي أوصلتنا إلى هنا. المركزية المفرطة، ضعف الحكم المحلي، المحاصصة، الزبائنية، غياب المساءلة، تفاوت الخدمات، وضعف قدرة المجتمعات على إدارة شؤونها، كلها ساهمت في خلق الفراغ الذي ملأته القوى الحزبية.

لذلك فإن إعادة بناء الدولة يجب أن تشمل إعادة النظر في نظام الحكم نفسه.

نحتاج إلى نظام يطبق مبدأ التفريع، ينقل صلاحيات حقيقية إلى السلطات المحلية، ويحمي التعددية اللبنانية، ويمنع أي مكوّن من السيطرة على الدولة أو فرض خياراته الأمنية والسياسية على الآخرين.

وهنا يصبح النقاش حول النظام الاتحادي جزءًا من استراتيجية منع إعادة إنتاج الأزمة، لا مجرد نقاش دستوري نظري.

تاسعًا: المطلوب استراتيجية انتقال، لا مجرد تسوية

هناك فرق بين إنهاء جولة عسكرية وبين بناء دولة قادرة على منع الجولة التالية.

الاستراتيجية الوطنية المطلوبة يجب أن تتحرك على مسارات متزامنة ومتوازية: السلام واستعادة الأراضي، حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم، الضبط الكامل للحدود، تفكيك منظومة القوة الموازية للدولة، إعادة هيكلة الأمن الوطني، إعادة الإعمار، إصلاح القضاء والاقتصاد والإدارة، تعزيز الحكم المحلي، وإصلاح النظام السياسي نفسه. هذه ليست ملفات منفصلة، بل مسارات مترابطة تشكل في مجموعها مسار استعادة الدولة. إنها أجزاء من مشروع واحد: استعادة الجمهورية.

لذلك فإن النقاش لا يجب أن يكون حول من يريد السلام ومن يرفضه، بل هل نريد إدارة التوازن الذي أنتج الأزمة، أم نريد تغيير المعادلة التي أنتجتها؟

هل نريد دولة تحاول أن تحل تدريجيًا مكان "حزب الله" في بعض وظائفه، أم نريد إعادة بناء دولة تجعل وجود أي منظومة موازية لها مستحيلًا أصلًا؟

وهل نبقى ننتظر أن تتغير إسرائيل وإيران وغزة والمنطقة قبل أن نقرر شكل لبنان، أم نبدأ نحن بتحديد مصالحنا ونظامنا وأمننا القومي؟

بالنسبة إليّ، نقطة الانطلاق واضحة:

لبنان أولًا. لا دولة داخل الدولة، ولا اقتصاد داخل الاقتصاد، ولا أمن داخل الأمن، ولا قرار خارجي فوق القرار اللبناني.

وإذا كانت الحرب الأخيرة قد فتحت نافذة لإعادة بناء لبنان، فلا يجوز أن نستخدمها فقط للعودة إلى ما كان قائمًا قبلها.

المطلوب أن نبني لبنان الذي يمنع تكرارها.


نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار
الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ