لا تعكس التصريحات الايجابية المتفائلة، التي أدلى بها المسؤولون الذين اجتمعوا مع بعثة صندوق النقد الدولي خلال تواجدها في بيروت، الاجواء الحقيقية لمسار المفاوضات بين الدولة والصندوق. هذه التصريحات تعكس فقط الحرص على اشاعة اجواء مُطمئنة، لكنها عملياً لا تستند الى الوقائع التي تظهّرت بشكل واضح من خلال مضمون الاجتماع الذي جمع حاكم مصرف لبنان مع المصارف قبل أيام.
عملياً، لا يمكن الحديث عن تقدّم حقيقي، ما دامت المشكلة الرئيسية في الملف بلا حل. وطالما أن الدولة ترفض حتى اليوم، أن تقدّم أي التزام مالي واضح يمكن البناء عليه لرسم معالم إعادة الودائع الى أصحابها، ستبقى الأمور عالقة في حلقة مُفرغة لا يمكن الخروج منها.
اللافت، ان المواجهة الفعلية ليست بين الدولة والمودعين، ولا حتى بين الدولة والمصارف، بل انها شبه محصورة بين الحكومة ومصرفها المركزي، وهذا إن دلّ على شيء، انما يدلّ على مكمن جوهر الأزمة، حيث تبين ان الفجوة، "ضائعة" بين الدولة ومصرفها، وليس في أي مكان آخر. وقد ثبّت هذه الحقيقة مصرف لبنان نفسه، من خلال ما أعلنه الحاكم كريم سعيد أخيراً، من ان المصارف لديها ودائع في المركزي تبلغ حوالي 79.5 مليار دولار. بالاضافة الى ان المركزي سبق وأكد ان جردة الحساب والتدقيق التي قام بها، أظهرت ان الدولة "سحبت" من مصرف لبنان حوالي 63 مليار دولار تحت مسميات مختلفة.
في كل الأحوال، لا تقف المشكلة عند هذا الحد. وحتى قانون انتظام المصارف الذي صدر في الجريدة الرسمية، وسيصبح نافذاً بعد اقرار قانون الفجوة، قد يعود الى التداول مع احتمال الطعن به امام المجلس الدستوري. هذا الطعن، اذا حصل، سيستهدف اعادة تعديل المواد 3 و13 و25، أي تلك المتعلقة بصلاحيات مصرف لبنان، والمتعلقة كذلك بالفترة القصيرة وغير المنطقية الممنوحة للمصرف للاعتراض على أي قرار قد تصدره الغرفة الثانية في الهيئة المصرفية العليا لتصفيته.
ما المطلوب اليوم لاعطاء الحلول دفعاً الى الامام؟
في المرتبة الاولى، على الدولة ان تلتزم بما ستدفعه من ديونها للمودعين، لكي يُبنى على الشيء مقتضاه.
في المرتبة الثانية، ينبغي تعديل اسلوب التفاوض مع صندوق النقد. ولم يعد مُقنعاً الاختباء وراء مبدأ استدامة الدين لتحييد الدولة ومنعها من القيام بواجبها ومسؤولياتها، خصوصا ان حجم الدين العام انخفض بشكل دراماتيكي سواء لجهة الديون بالليرة التي فقدت القسم الاكبر من قيمتها، أو حتى الديون بالدولار، والتي لن تُعيد الدولة اكثر من 25% من قيمتها الحقيقية. وبالتالي، الدولة هي الرابح الأكبر في الانهيار، رغم انها المُسبّب الأكبر له.
في المرتبة الثالثة، تعديل قانون الفجوة بما يتناسب والوضع الحقيقي، وتحويله الى قانون واقعي وقابل للحياة. هذه الخطوة تستوجب ازالة الاسباب التي دفعت مصرف الدولة الى تعليق مشاركته في اللجنة الوزارية المُكلّفة إدخال تعديلات على مشروع القانون.
في المرتبة الرابعة، تحديد مسار واضح للمساواة بين المودعين، وهذا يشمل المودع في المصارف والمودع في مصرف لبنان.
هذه النقاط الأربع كفيلة بتغيير المشهد الرمادي القائم اليوم، والدفع في اتجاه تسريع حلٍ طال انتظاره.