لم يعد السؤال المطروح في المنطقة يقتصر على كيفية احتواء التصعيد الإيراني، بل بات يتمحور حول مسألة أعمق: هل تستطيع طهران الانتقال من سياسة بناء النفوذ عبر الميليشيات الإقليمية إلى مرحلة مختلفة تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخّل في شؤونها؟ لا بد أن تكون مسألة السيادة في قلب أي حديث عن صفحة جديدة بين طهران ودول المنطقة، بعدما أصبحت الجماعات المسلّحة الموالية لإيران جزءًا من معادلات النفوذ والصراع الإقليمي.
أضافت التطوّرات الأخيرة في الملف اليمني، ولا سيما استهداف المتمرّدين الحوثيين للرياض ومكة وسيطرتهم على الساحل الغربي لليمن، بُعدًا شديد الحساسية إلى المشهد. فلا يُمكن فصل هذه الأحداث عن الدور العسكري المتنامي للحوثيين، خصوصًا مع استمرار الأعمال العسكرية في اليمن والتهديدات المرتبطة بالممرّات البحرية. بالفعل، لا يشكّل مضيق باب المندب مجرّد ممرّ بحري محلي، بل شريان حيوي للتجارة العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس على حركة السلع والطاقة وسلاسل الإمداد، ما يجعل أمن البحر الأحمر عاملًا أساسيًا في الحفاظ على الأمن الإقليمي والدولي.
انطلاقًا من ذلك، تبرز أهمية موقف أبوظبي الذي عبّر عنه المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي الدكتور أنور قرقاش، خلال جلسة رئيسية لمنتدى الإعلام العربي ضمن فعاليات "قمة الإعلام العربي 2026"، بعنوان "الإعلام في زمن التحوّلات الكبرى"، حيث تناول قرقاش رؤية الإمارات للتعامل مع التحوّلات الإقليمية والدولية، مؤكدًا أهمية الجمع بين حماية السيادة وقوّة الردع ومرونة الدبلوماسية ودعم الحوار.
واعتبر قرقاش أن "الخطوة الأهم حاليًا هي وقف الحرب لبدء علاقة جديدة"، مشدّدًا على أن "الإمارات دافعت عن نفسها وستستمرّ في ذلك، لكنها أيضًا تمدّ يد الصداقة والحوار". وأشار إلى عدم وجود اتفاق كامل في الأفكار مع إيران، بعد لقاء ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة مجموعة "بريكس" أخيرًا، إلا أنه أكد وجود اتفاق على قلب الصفحة والنظر إلى المستقبل.
ويحمل هذا الموقف دلالة تتجاوز الدعوة إلى التهدئة، لأنه يطرح مسارين متوازيين: حماية الدولة وردع التهديد من جهة، وفتح قنوات الحوار من جهة أخرى. فلا يعني وقف الحرب تجاوز الخلافات، بل يُمكن أن يشكّل مدخلًا إلى إعادة بناء العلاقات على أساس عدم الاعتداء واحترام السيادة والبحث عن ترتيبات تحفظ الاستقرار. ويتقاطع هذا الأمر مع ما عرضه قرقاش من الجمع بين قوّة الردع ومرونة الدبلوماسية ودعم الحوار.
لكن بناء الثقة مع إيران لن يكون سريعًا، في ظلّ تراكم الأزمات وتباين المواقف. لذلك ستبقى أي صفحة جديدة مرتبطة بقدرة طهران على تحويل لغة التهدئة إلى خطوات عملية، ومعالجة الملفات التي غذّت التوتر، وفي مقدّمتها نفوذ إيران الإقليمي ودور الميليشيات المرتبطة بها. وتتصل هذه الرؤية مباشرة بالملف الخليجي، إذ أكد قرقاش أن أمن السعودية من أمن الإمارات، وربط أمن الخليج بسلامة الممرّات البحرية والاقتصاد العالمي. كما أشار إلى أن المنطقة عانت من تداعيات الميليشيات والسلاح الخارج عن سلطة الدولة في لبنان والعراق واليمن، ما يجعل تعزيز مؤسسات الدول وحصر القرار الأمني والعسكري بسلطاتها عنصرًا أساسيًا في أي تسوية إقليمية مستدامة.
وهنا تصبح مسألة الميليشيات اختبارًا عمليًا لأي تفاهم، لأن استقرار المنطقة لا يرتبط فقط بوقف القتال، بل بقدرة الدول على منع عودة أدوات الصراع خارج مؤسساتها. فالحوار لا يلغي الردع، والردع لا يغلق باب التفاهم، بل يتكاملان عندما تكون السيادة قاعدة للعلاقات. وبين استمرار المواجهة وفتح أبواب التفاهم، تضع الإمارات معادلتها بوضوح: حماية الدولة أولًا، وإبقاء الحوار ممكنًا، وربط أي صفحة جديدة بخطوات عملية تعيد بناء الثقة وتحد من أدوات الصراع المسلّح.