فكرة "الدمج" التي "طُلِع علينا" بها مؤخراً لا تستقيم ولا تستوي سواءً كانت بالون اختبار أو جدّية.
ولقد فنّد أصحاب الرأي المعاكس لها كل الأسباب الموجبة، فلا داعي لتكرارها هنا.
الغريب والمدهش انها استمرار للفكرة التي حُشِرَت في "خطاب السفارة" اللبنانية في واشنطن الذي ألقاه فخامة رئيس الجمهورية في شهر تمّوز الماضي بعد لقاء ناجح جداً بينه وبين الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فشكّلت لرئيسنا احراجاً كان في غنى عنه ان لدى الأوساط السياسية الأميركية الفاعلة أو لدى أصحاب الرأي والقادة السياديين في الوطن. نعني هنا بالتحديد فكرة التمثُّل بما حصل في حالتي فضّ الجيش الإيرلندي الجمهوري وحركة "فارك" الثورية في كولومبيا.
هل تعني هذه العودة لتلك الفكرة أن أهل الحكم في لبنان قد وصلوا إلى حائط مسدود في ايجاد الحلول المناسبة؟ واستطراداً، هل فرغت الدوائر السياسية والدبلوماسية في لبنان من المفكّرين القادرين على استنباط حلول خلاّقة لهذا الموضوع الشائك؟ قطعاً لا، خاصةً في خانة الاستطراد المذكورة. وبهذا فإن على أهل الحكم، والذين ندعم مسيرتهم السيادية بقوّة، أن لا يركنوا للاستشارات التي لا ترتكز على البحث العميق أو التحليل الشمولي اذ أنها تقدِّم لهم بالتالي أفكاراً غير مجدية، كونها لا تتعدى أنف أصحابها ومطلِقيها.
في البداية، هل نسينا أن من نفكّر بدمجهم في الأسلاك العسكرية والأمنية قد دُمِغوا منذ أشهرٍ خلت بسِمَة أنهم "خارجون عن القانون"؟ انها لمفارقة كبيرة لن يفهمها الداخل قبل الخارج! وهي وصفة ملغومة تحمل في طيّاتها بذور التفجير والتشظّي عند أية فرصة سانحة غير مؤاتية.
ثانياً، طرح "الدمج" هذا يدخل في خانة التذاكي اللبناني المعهود، وذلك بأنه "يتشاطر" على المشكلة آنياً ويرحلّها إلى زمنٍ لاحق (ومستشاريه!) على طريقة "راحت عن ضهري، بسيطة" وبالتالي "يا دار ما دَخَلِك شرّ" وكأنه ليس من المطلوب بعد هذه العقود المريرة من العذاب أن ينعم البلد باستقرارٍ طويل الأمد يعيد له مصداقيته بين الأمم ويجلب اليه الاستثمارات الخارجية اللازمة ويحرّك عجلته الاقتصادية لكي ينعم أهله أخيراً بالعيش الكريم ويستعيد هو مكانته كجامعة هذا الشرق ومستشفاه ومقصد سوّاحه.
بالعودة إلى الحاجة إلى أفكار خلاّقة، فإن الدعوة هنا ليست أن يترك لبنان أبناءه هؤلاء على قارعة الطريق أو دون مراعاة. أحد الحلول في هذا السياق أن يُصار إلى دمج أولئك المقاتلين السابقين في المجتمع لكي يصبحوا من أدوات الانتاج فيه. هذا يتحقّق عن طريق إعادة تأهيلهم في مجال مهنهم السابقة أو تأهيلهم الى مهارات جديدة أو توفير الفرص لهم لإكمال تعليمهم بغية تمكينهم من دخول الجامعات أو الانطلاق في "صنايع" مفيدة سيحتاجها البلد بشدّة في فترة إعادة الاعمار وأيضاً بعد انطلاق اقتصاده بخير وسلامة.
لا الدمج المطروح ولا استحضار تجارب من بلدان أخرى لا تشبه الحالة اللبنانية بأية طريقة كفيلة بانتاج الحل المتكافئ المطلوب والذي يرضي كل أطياف المجتمع اللبناني التوّاق إلى بلد طبيعي وثابت ومزدهر.