بطرس الخوري

لا دولة بدون انتخابات... ولا ديمقراطية في ظل السلاح

6 دقائق للقراءة

لم يعد السؤال في لبنان ما إذا كانت الانتخابات النيابية المقبلة قادرة، وحدها، على إحداث التغيير المنشود، بل ما إذا كان يجوز أصلًا إبقاء البلاد حتى عام 2028 تحت سلطة مجلس انتُخب في عالم سياسي وأمني لم يعد موجودًا.

فالمجلس الحالي هو مجلس ما قبل 7 تشرين الأول 2023: انتُخب في أيار 2022، قبل الحرب وتداعياتها اللبنانية، وقبل التحولات العميقة التي أصابت الإقليم، وقبل اهتزاز موازين القوى وسقوط معادلات كانت تتحكم بالمنطقة. ومع ذلك، يُراد لهذا المجلس أن يتولى معالجة نتائج مرحلة لم ينتخبه اللبنانيون على أساسها، وأن يقرر مستقبل السلاح وإعادة الإعمار والسياسة الخارجية والإصلاحات المالية، مستندًا إلى تفويض شعبي يعود إلى زمن مختلف تمامًا.

صحيح أن الحرب شكّلت ظرفًا قاهرًا حال دون إجراء الانتخابات في موعدها، لكن الظروف الاستثنائية لا تمنح المجلس حقًا دائمًا في البقاء، ولا تحوّل التمديد من تدبير مؤقت إلى ولاية سياسية جديدة. فإذا زال المانع الأمني أو أصبح بالإمكان تنظيم الانتخابات ضمن شروط مقبولة، يسقط مبرر الانتظار حتى أيار 2028، وتصبح العودة إلى الشعب واجبًا دستوريًا وسياسيًا.

لكن الدعوة إلى الانتخابات تصطدم بسؤال مشروع لا يجوز تجاهله: ما قيمة انتخابات تُجرى في ظل بقاء السلاح خارج الدولة، وفي ظل هيمنة الثنائي الشيعي على التمثيل السياسي لطائفة بأكملها؟

لا يمكن إنكار أن السلاح يخلّ بمبدأ المساواة بين المتنافسين. فالديمقراطية لا تقتصر على وضع أوراق في الصناديق وفرز الأصوات، بل تفترض أن يتمكن المرشح من إعلان موقفه، وأن يستطيع الناخب الاختيار من دون خوف، وأن تتنافس القوى السياسية تحت سقف قانون واحد تحميه الدولة وحدها.

هذه الشروط لا تتوافر بالتساوي في جميع المناطق والبيئات اللبنانية. ففيما تشهد الساحات المسيحية والسنّية والدرزية تنافسًا وتبدلًا في التحالفات والأحجام، يكاد التمثيل الشيعي يبقى مقفلًا أمام أي اختراق جدي. والمعارض الشيعي لا يواجه خصمًا انتخابيًا فحسب، بل منظومة متكاملة من النفوذ الأمني والتنظيم الحزبي والخدمات الاجتماعية والضغط المعنوي والتخوين السياسي.

لكن الاعتراض على احتكار الثنائي لا يجوز أن يتحول إلى اتهام جماعي للطائفة الشيعية أو إلى اعتبار أبنائها كتلة سياسية واحدة. فالضحايا الأوائل لهذا الواقع هم الشيعة المعارضون أنفسهم، الذين يدفعون ثمن مواقفهم داخل بيئتهم، ويجدون صعوبة في الترشح والتنظيم والتعبير والوصول إلى الناخبين. واستعادة التعددية داخل الطائفة الشيعية ليست مصلحة لطائفة أخرى، بل ضرورة وطنية ومصلحة للشيعة قبل سواهم.

هنا يظهر الاختلال الأخطر في النظام السياسي: يُطلب من المسيحيين والسنّة والدروز أن يغيّروا ممثليهم وأن يخضعوا لتقلبات المزاج الشعبي، بينما يدخل الثنائي الشيعي إلى المجلس بكتلة شبه مضمونة، ثم يستخدم هذه الكتلة وتحالفاتها لترجيح الأكثريات وفرض التوازنات الوطنية. وبذلك يصبح التغيير متاحًا في جانب من النظام، ومقيدًا في جانب آخر.

فهل يعني ذلك أن الانتخابات بلا فائدة؟

الجواب هو لا. فالانتخابات في ظل السلاح تبقى ناقصة، لكنها ليست عديمة القيمة. وقد أثبتت انتخابات 2022 أنها قادرة على تغيير الأحجام وإسقاط أكثريات وإدخال قوى جديدة إلى المجلس، حتى وإن لم تتمكن من تغيير ميزان القوة الفعلي خارج البرلمان.

المشكلة إذًا ليست في غياب تأثير الانتخابات، بل في وجود سقف لهذا التأثير. فالصندوق يستطيع تحديد عدد النواب، لكنه لا يستطيع وحده نزع السلاح. ويمكنه إنتاج أكثرية نيابية، لكنه لا يضمن أن تتمكن هذه الأكثرية من تنفيذ برنامجها إذا كان التعطيل السياسي يستند إلى قوة تتجاوز المؤسسات. وقد شهد لبنان كيف يمكن تعطيل الحكومات، وإقفال مجلس النواب، وشل الاستحقاقات الرئاسية، ووضع الدولة أمام خيارات مفروضة بقوة الأمر الواقع.

لهذا لا يجوز تصوير الانتخابات وكأنها الحل السحري لأزمة السلاح والسيادة. لكنها، في المقابل، تشكّل البداية الدستورية الوحيدة لأي مسار جدي لاستعادة الدولة. فلا يمكن خوض معركة حصرية السلاح بمجلس ذي شرعية ممددة، ولا معالجة نتائج الحرب بتوازنات سبقتها، ولا اتخاذ قرارات مصيرية من دون العودة إلى اللبنانيين.

أما ربط إجراء الانتخابات بتسليم السلاح مسبقًا، فقد يتحول إلى فخ أخطر من الانتخابات الناقصة نفسها. فإذا قيل إن لا انتخابات قبل حل مشكلة السلاح، وكان حلها يحتاج إلى سنوات، فهذا يعني عمليًا تمديد ولاية المجلس إلى أجل غير معلوم. وعندها يجمع أصحاب الأمر الواقع بين السلاح خارج الدولة والشرعية النيابية الممددة داخلها، فيتحول وجود السلاح من سبب للاعتراض على الانتخابات إلى وسيلة لتعطيلها.

لذلك لا يكون الخيار الحقيقي بين انتخابات مثالية وانتخابات ناقصة، بل بين انتخابات ناقصة يمكن البناء على نتائجها، وتمديد كامل العطب يعيد إنتاج الماضي ويحرم اللبنانيين حتى من حق المحاسبة.

إن لبنان ما بعد 7 تشرين الأول ليس لبنان ما قبله. الحرب غيّرت الأولويات وطرحت أسئلة وجودية حول قرار السلم والحرب، وحدود السيادة، ومستقبل سلاح حزب الله، ودور الجيش، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، وعلاقة لبنان بالمجتمعين العربي والدولي. وهذه الملفات لا يجوز أن تُدار باعتبارها تفاصيل تقنية، بل تحتاج إلى تفويض شعبي جديد يحدد الاتجاه الذي يريده اللبنانيون.

لن تؤدي انتخابات واحدة إلى بناء الدولة، ولن تسقط تلقائيًا هيمنة السلاح، ولن تعالج كل اختلالات النظام الطائفي. لكنها تستطيع إعادة رسم التوازنات، وتحديد الأحجام الحقيقية، ومنح القوى السيادية والإصلاحية تفويضًا جديدًا، وفتح نافذة أمام التعددية الشيعية، وإنتاج مجلس يملك شرعية حديثة لمعالجة ملفات المرحلة الجديدة.

فالانتخابات ليست نهاية المعركة، بل نقطة انطلاقها. وليست بديلًا من حصرية السلاح، بل وسيلة لتكوين السلطة الشرعية التي يفترض أن تعمل لتحقيقها.

لبنان لا يحتاج فقط إلى صناديق اقتراع، بل إلى دولة تضمن ألّا يقف خلف أي صندوق ظل بندقية. لكن غياب هذه الدولة لا يعالج بإلغاء الانتخابات أو تأجيلها، بل بتجديد الشرعية الشعبية والبناء عليها لاستعادتها.

فلا مجلس ما قبل 7 تشرين الأول يستطيع أن يحتكر رسم لبنان ما بعده، ولا شرعية ممددة تستطيع أن تواجه مرحلة تبدلت فيها البلاد والمنطقة. وإذا كانت الانتخابات لن تمنح لبنان دولة كاملة في يوم واحد، فهي تبقى المحطة المفصلية التي يبدأ منها طريق استعادة الدولة.