الخبر القضائي جاء جافًا: ادّعى مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم على أربعة عشر لبنانيًا وسوريًا، بجرم تأليف عصابة أشرار، والتدريب على الأسلحة الحربية والمتفجّرات وبنادق القنص وتشغيل المسيّرات، بهدف القيام بأعمال إرهابية في الساحل السوري، وأحال الملف على قاضي التحقيق العسكري الأول. بين الموقوفين عنصر في "الحزب"، والعقيد في المخابرات الجوية لدى جيش بشار الأسد مناف علي صافي. وتفيد التحقيقات الأولية بأن أكثر من أربعين ضابطًا وعنصرًا من فلول النظام، أُدخلوا من الساحل السوري عبر معابر غير شرعية في الشمال، على دفعات من خمسة، ونُقلوا إلى معسكرات تدريب في البقاع، ثم أُعيدوا إلى حيث أتوا. أما المتفجّرات والمسيّرات فسافرت في الاتجاه المعاكس، مفكَّكة داخل كراتين مساعدات. والإشراف، بحسب الملف، لمسؤول متوارٍ في "الحزب"، والإدارة للواء من جيش الأسد يقيم في موسكو.
يُقرأ خبرٌ كهذا عادةً كقضية أمنية عابرة. وهو في الحقيقة وثيقة في تاريخ الدولة اللبنانية، أو بالأحرى في تاريخ غيابها. فمنذ اتفاق القاهرة في 3 تشرين الثاني 1969، تكرّست قاعدة لم تُكسر بعد: أن تكون الأرض ساحة، وأن يُصنع قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات، وأن تُمنح البندقية غير الشرعية غطاءً سياسيًا باسم قضية أكبر من الدولة. ومن هذه القاعدة تفرّعت الفصول كلّها: حرب 1975، ودخول الجيش السوري عام 1976 تحت عنوان الردع، وحلول الحرس الثوري في ثكنة الشيخ عبدالله في بعلبك عام 1982، و"دولة 6 شباط" 1984 يوم سقطت هيبة الدولة في عاصمتها، والطائف الذي نزع سلاح الميليشيات عام 1991 واستثنى سلاحًا واحدًا، ثم خمسة عشر عامًا من وصاية انسحب جيشها عام 2005 وبقيت منظومتها.
نصف قرن ونيّف من الهجوم الإقليمي على لبنان، كان الشريك السوري فيه هو الثابت الأول. صُنعت في هذه السنوات طبقة سياسية تتعايش مع السلاح، وأجهزة تغضّ النظر، وثقافة عامة تسمّي الفراغ مقاومة. و"الحزب" ليس استثناءً في هذا المسار، بل هو أنضج ثماره: الدولة الموازية التي وُلدت من رحم دولة غائبة، ونمت تحت ولاية الفقيه، وتحوّلت من أداة في مشروع إقليمي إلى مالكة القرار في بلد لم يعد يملك قراره.
ثم جاء عام 2013 ليُظهر المعادلة عارية. يوم عبر "حزب الله" إلى القصير مقاتلا إلى جانب النظام السوري، لم يستأذن حكومة ولا مجلسًا، ولم يعترف بسياسة "النأي بالنفس" التي كانت الدولة قد أعلنتها بالإجماع قبل عام. أرسل شبانًا لبنانيين إلى حرب الآخرين، وأعاد جثامينهم، وحمّل لبنان كلفةً لم يقرّرها. فمن ملك أن يذهب بلا إذن، يملك اليوم أن يبقى بلا إذن.
وهنا يكمن الانقلاب الذي يكشفه هذا الملف. طوال خمسين عامًا، كانت سوريا تصدّر إلى لبنان حروبها ورجالها وأجهزتها. اليوم انعكس الاتجاه: لبنان هو من يصدّر. لكنه لا يصدّر دولة ولا سياسة ولا اقتصادًا، بل يصدّر تدريبًا ومتفجّرات ومسيّرات، ويؤجّر أرضه معسكرًا لبقايا نظام سقط، بإدارة ضابط يجلس في موسكو. وفي التفصيل ما يكفي: السلاح عبَر مفكَّكا في كراتين مساعدات. هكذا تختصر هذه المنظومة نفسها - إغاثة في الشكل، وعبوة في المضمون.
وليست في ذلك قوة، بل يُتم. فحين يفقد "الحزب" ممرّه السوري، ويفقد راعيه الإقليمي هامش حركته، يعود إلى ما يجيده وحده: إنتاج الفوضى بوصفها بديلا من الدولة. فالفوضى وحدها تبرّر وجوده، والاستقرار وحده يفضح فائضه.
وليست القضية سيادة سورية فحسب. فأي عملية تُحضَّر في البقاع وتُنفَّذ في الساحل ترتدّ حكمًا على اللبنانيين: عقوبات، وحدود مقفلة، وذرائع جاهزة لحرب جديدة لا يُستشار فيها أحد. الذين أدخلوا أربعين رجلا عبر معابر غير شرعية، أدخلوا معهم احتمال حرب إضافية على بلد لم ينهض بعد من حربه الأخيرة.
يبقى أن الجديد في هذا الملف ليس الشبكة، بل القضاء. للمرة الأولى منذ زمن طويل، يُسمّى الفعل باسمه أمام محكمة، وتُسند إليه مواد تصل عقوبتها إلى الأشغال الشاقة المؤبدة. لكنها بداية لا خلاصة. فالدولة لا تُستعاد ببيان ولا بادّعاء، بل بحصر السلاح والقرار في يدها وحدها، وبضبط حدودها، ومحاسبة من حوّلها ممرًّا ومعسكرًا.