د. ربيع دندشلي

المحاسبة بذاكرة انتقائية

6 دقائق للقراءة

لا تبدأ مسؤولية السياسي يوم جلوسه على مقاعد المعارضة، ولا تنتهي يوم مغادرته الوزارة. وبين هذين الموقعين، يبقى سجلّ لا تمحوه خطبة نيابية ولا نبرة مرتفعة في جلسة مساءلة. من هنا ينبغي قراءة نقد التيار الوطني الحر وحزب الله للحكومة؛ من حقّهما أن يسألا عمّا أُنجز، لكن من حقّ اللبنانيين أيضًا أن يسألوهما عمّا فعلاه بسنوات النفوذ، وما تركاه لمن جاء بعدهما.

المشكلة في محاولة فصل النقد عن سيرة أصحابه. فحين تُطالب حكومة لم يمضِ على تشكيلها عامان بتقديم أجوبة فورية عن أزمات متراكمة، يصبح من المشروع سؤال المطالبين عن الوقت الذي أتيح لهم، والسلطات التي امتلكوها، والنتائج التي حقّقوها. ليس في ذلك اعتراض على الرقابة، بل رفض لتحويلها إلى وسيلة يُحاسَب بها الآخرون ويُعفى أصحابها من الحساب.

تشكّلت حكومة نواف سلام في الثامن من شباط ٢٠٢٥، بعد حرب مدمّرة، وفي ظلّ انهيار مالي وتعطّل مؤسساتي طويل. تسلّمت أعباء الإعمار والإصلاح واستعادة الثقة، ثم واجهت تجدّد التصعيد واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية واضطراب الإقليم. لذلك، فإن تقييمها يتطلّب النظر إلى ما ورثته وما فعلته بهذا الإرث. تحميلها مسؤولية قراراتها واجب؛ أمّا إسناد تاريخ الانهيار كلّه إليها، فمحاولة لتغيير أسماء المسؤولين عنه.

في حالة التيار الوطني الحر، يقدّم ملفّ الكهرباء امتحانًا واضحًا لهذه الذاكرة. فقد بقيت وزارة الطاقة لأكثر من عقد في عهدة وزراء من التيار أو محسوبين عليه وعلى حلفائه. ولم تكن الحقيبة هامشية، منها صدرت خطط ووعود، وعندها تداخلت خيارات الإنتاج والتمويل والإدارة. ومن تولّى هذا الملفّ سنوات لا يستطيع مساءلة خلفه كأنّه يكتشف اليوم أنّ الكهرباء غائبة، أو أنّ المواطن يدفع ثمن العجز من دخله وحياته.

يكفي استحضار الخلاف حول معمل سلعاتا. فقد تمسّك التيار بالمشروع رغم اعتراضات على جدواه وأولويته التمويلية، ودافع عنه بوصفه ضروريًا لتأمين الكهرباء واتّهم خصومه بالعرقلة. هنا توجد خيارات قابلة للمراجعة: لماذا أُعطيت هذه الأولوية؟ وما البدائل؟ وهل ساعد الإصرار عليها في الوصول إلى الحلّ أم زاد التعقيد؟ هذه أسئلة تسبق ادّعاء امتلاك وصفة الإصلاح وتلزم أصحابها بتقديم حساب.

لا يعني ذلك تحميل التيار وحده مسؤولية قطاع شاركت حكومات متعاقبة في إخفاقه. لكنّ المسؤولية المشتركة لا تساوي انعدام المسؤولية. وإذا كان التعطيل حجّته، فعليه أن يشرح كيف أدار تحالفاته، ولماذا استمرّ في تولّي الملفّ، وماذا غيّر لتجاوز العوائق. فالتمسّك بموقع القرار يقتضي تحمّل نصيب من نتائجه، لا الاكتفاء بإحالة كلّ فشل إلى الآخرين، ثم إسقاط هذا العذر نفسه عندما يصبح المسؤول خصمًا.

أمّا حزب الله، فمسؤوليته تتجاوز الحقائب الوزارية إلى أثر خياراته في قدرة الدولة على بناء الثقة وإدارة علاقاتها. وفي هذا المجال، تكفي العودة إلى الثالث من كانون الثاني ٢٠٢٢، حين اضطرّ رئيس الحكومة آنذاك نجيب ميقاتي إلى إعلان أنّ انتقادات حسن نصرالله للسعودية لا تخدم المصلحة الوطنية ولا تمثّل الموقف الرسمي اللبناني. كان رئيس حكومة يحاول معالجة أزمة دبلوماسية، فيما يصدر عن قوة نافذة خطاب يدفع في اتجاه معاكس.

تكشف هذه الواقعة مشكلة ازدواجية السياسة الخارجية؛ دولة مطالبة بالحفاظ على مصالح اللبنانيين، وحزب يحدّد أولوياته الإقليمية خارج مقتضيات تلك المصالح. ولا تختصر تصريحات بعينها أسباب التوتّر مع الخليج؛ فقد تداخلت اعتبارات سياسية وأمنية وتجارية. لكنها تمنع التعامل مع تراجع الثقة كحادث بلا سياق، أو مطالبة الحكومة الحالية بترميم العلاقات من دون مراجعة المواقف التي ساهمت في إضعافها.

من هنا، يصبح سؤال الحزب عن التمويل والاستثمار والدعم العربي ناقصًا ما لم يرافقه سؤال عن شروط استعادتها. فالثقة تتطلّب اطمئنانًا إلى قرار الدولة والتزاماتها، وإلى أنّ ما تتعهّد به لن تنقضه حسابات طرف آخر. ومن يريد للدبلوماسية أن تحقّق نتائج، عليه أن يتيح لها سياسة قابلة للتنفيذ. لا يمكن مطالبة الدولة بتحمّل المسؤولية كاملة فيما تبقى قدرتها على اتخاذ القرار وتنفيذه موضع تنازع.

وفي زمن الحرب، تتضاعف كلفة هذا التناقض. الحكومة مطالبة بحماية الناس والإغاثة وتأمين التمويل والعمل لوقف الاعتداءات، بينما تقوّض التطورات الأمنية شروط التعافي. إسرائيل مسؤولة عن اعتداءاتها وما تخلّفه من دمار؛ وهذه المسؤولية لا تلغي حقّ اللبنانيين في مساءلة خيارات القوى المحلية. كما أنّ نقد الحكومة لا يعفي من مارس النفوذ قبلها من شرح أثر سياساته في حجم المخاطر التي تواجهها البلاد وقدرة مؤسساتها على مواجهتها.

بالمحصلة، منح الثقة لا يفرض الصمت، وحجبها لا يمنح براءة من الماضي. لكنّ الاختلاف يؤكّد ضرورة مساءلة كلّ طرف عن قراراته، بعيدًا عن جمع الجميع في حكم واحد. فالنقد يفقد قوّته حين يتجاهل الوقائع التي لا تلائم حجّته، تمامًا كما تفقد المعارضة صدقيتها حين تنتقي من تاريخها ما يناسب خطابها.

وهذا المعيار يلزم الحكومة أيضًا. قِصر عمرها وثقل الإرث لا يكفيان لإثبات نجاحها. عليها أن تقدّم حصيلة قابلة للتحقّق، وأن توضّح أسباب التأخير، وأن تحدّد مواعيد ومسؤوليات للخطوات المقبلة. فالمواطن لا يستطيع الانتظار إلى ما لا نهاية، ولا يريد استبدال أعذار قديمة بأخرى جديدة. وكلّ تقصير ناتج من خياراتها الحالية ينبغي أن يُناقش بوضوح، من دون الاحتماء الدائم بما فعله السابقون.

هنا يتحدّد الفارق بين المحاسبة والنفاق السياسي. المحاسبة تطبّق المعيار نفسه على الحليف والخصم، وتصل القول بالتصويت والممارسة. أمّا النفاق، فيمنح أصحابه سنوات من الأعذار، ثم يطالب الآخرين بنتائج فورية؛ يستحضر الظروف لتفسير فشله، وينكرها عند تقييم سواه. ومواجهة هذه الازدواجية تتطلّب أن تخرج جلسات المساءلة بالتزامات ومتابعة، وأن تبقى ذاكرة المسؤولية حاضرة لدى السائل والمجيب معًا.

من حقّ التيار وحزب الله أن يسألا الحكومة: ماذا فعلتم؟ لكنّ الجواب السياسي لن يكتمل قبل أن يجيبا اللبنانيين عن السؤال نفسه. فالانتقال إلى المعارضة قد يغيّر موقع صاحبه، لكنه لا يمحو توقيعه عن سجلّ الحكم.