الدكتور سايد حرقص

​ بين «شانسونيه» مجلس النواب والعقول المبرمجة… لبنان إلى أين؟

3 دقائق للقراءة

​ما جرى في مجلس النواب خلال جلسة مناقشة الحكومة لم يكن مجرد اختلاف في وجهات النظر، ولا سجالاً سياسياً عابراً. لقد تحولت القاعة، التي يُفترض بها، في الدول والمجتمعات المتحضرة، أن تكون منبراً للتشريع والمساءلة ومناقشة القضايا التي تمس حياة المواطنين ورفاههم ومستقبل البلاد، إلى مساحة للصراخ والشتائم والتخوين وتبادل الإهانات. وعندما تنحدر لغة النقاش داخل المؤسسة التشريعية إلى هذا المستوى، فإن المشكلة لا تعود محصورة في النواب أنفسهم، بل تتجاوزهم لتطال هيبة الدولة، ووقار مؤسساتها، ومستوى الحياة السياسية فيها.

​في النظام الديمقراطي، من حقك أن تختلف إلى أقصى الحدود، وأن ترفض موقف خصمك بالكامل، وأن تواجهه بأقسى الحجج السياسية، لكنك لا تحتاج إلى إهانته أو تحقيره لتثبت أنك على حق. فعندما تصبح الشتيمة بديلاً عن الحجة، والصراخ بديلاً عن المنطق، والتخوين بديلاً عن النقاش، تفقد السياسة وظيفتها الأساسية: إدارة الاختلاف بالحوار، والبحث عن الحلول، والارتقاء بالمجتمع من داخل المؤسسات.

​الأخطر من ذلك أن ما يحدث تحت قبة المجلس ينتقل فورًا، عبر البث التلفزيوني المباشر، إلى بيوت الناس، ثم تتحول العبارات المستفزة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى وقود للتعبئة والانقسام، وتنتشر المقاطع المجتزأة والنابية، إلى جانب عبارات التحقير والاتهامات والتخوين، وكأن المطلوب نقل ثقافة الإهانة وتحقير الآخر المختلف من المؤسسات إلى الشارع، وتحويل الخطاب السياسي إلى نموذج يُحتذى به في المجتمع، في تجسيد مؤلم لمقولة: «كما تكونون يُوَلَّى عليكم».

​وهكذا تتحول السياسة من نقاش حول مصالح الناس والدولة إلى منظومة تحركها الغرائز والانفعالات، وهنا تحديداً تكمن الخطورة.

​فالاحتلال يفرض نفسه بالقوة على الأرض؛ أما احتلال العقول، فيحتاج إلى إقناع الإنسان بأن القيد حرية، وأن الطاعة ولاء، وأن السؤال خيانة، وأن الاختلاف عداء... عندها فقط، يحمل السجين سجنه في داخله.

​فماذا يعني أن تحل الشتائم والتخوين محل النقاش الهادف للحلول؟

ماذا يعني أن يصبح ارتفاع الصوت أعلى من قوة الحجة؟

وماذا يعني أن تتحول الإهانة والتحقير إلى مادة للتعبئة الجماهيرية؟

​قد يملك طرف ما جمهوراً أكبر، وقد يملك طرف آخر آلة إعلامية أكثر نشاطاً، وقد تتفوق مجموعة على أخرى في الحملات الإلكترونية، لكن كثرة المصفقين لا تحول الخطأ إلى صواب، وغزارة المرددين لا تجعل الكذبة حقيقة.

​فهل يريد اللبنانيون مجلس نواب يناقش القضايا المصيرية بالحجة والدليل، أم مجلس يتحول عند كل خلاف إلى مسرح «شانسونيه» هابط؟

وهل من الممكن بناء دولة عصرية يكون القانون فيها فوق الجميع في مجتمع تهيمن عليه التبعية والولاء الأعمى، ويدار بالسباب والتحقير والشتائم؟

​تكمن الأزمة في أن بعض الناس لا يستطيعون تحمُّل وجود لبناني آخر يختلف معهم في الرأي أو في النظرة إلى الزعيم والسياسة. والمجتمع الذي يفقد القدرة على الحوار يتحول إلى جُزر مغلقة، كل جزيرة تمتلك روايتها وأبطالها وأعداءها وحقائقها الخاصة. وفي مثل هذا المجتمع، يسهل شحن الناس للحرب، ويسهل زرع بذور الكراهية.

​إن لبنان اليوم بحاجة إلى مواطن حر ومستقل يستطيع أن يقول لزعيمه بمحبة: "أخطأت"، وإلى سياسي يتقبل النقد ويعترف بخطئه دون أن يرى في الاعتراف هزيمة، وإلى مجتمع يختلف دون أن يتحول اختلافه إلى أحقاد.

​لهذا، فإن المعركة الحقيقية باتت، إلى جانب تحرير الأرض وتحرير المؤسسات من الفساد، تمتد لتشمل تحرير العقول من الولاء الأعمى؛ لأن الوطن الذي يفقد حرية عقله، يُوشك أن يفقد أرضه وحتى وجوده.