واشنطن تحصّن بوابة القطب الشمالي

5 دقائق للقراءة

وقّع قادة أميركا والدنمارك وغرينلاند اتفاقًا تاريخيًا على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة أمس، من شأنه أن يعدّل موازين القوى في القطب الشمالي، الذي بات يكتسب أهمية استراتيجية كبيرة مع الذوبان التدريجي للجليد في المنطقة. ويمنح الاتفاق أميركا "سيطرة دائمة على الأمن" في الجزيرة المتمتعة بالحكم الذاتي والخاضعة لسيادة الدنمارك، ويسمح لواشنطن بتوسيع وجودها العسكري في غرينلاند ومنع أي دولة غير منتمية إلى حلف "الناتو" أو الاتحاد الأوروبي من إنشاء وجود عسكري لها هناك أو الاستثمار في القطاعات الحسّاسة فيها، ما يشكّل ضربة استراتيجية موجعة للصين وروسيا.

تزخر غرينلاند بكميات كبيرة من الغاز والنفط والمعادن النادرة المهمّة في ظلّ المنافسة الصناعية والاقتصادية بين أميركا والصين. كما تتمتع الجزيرة، الواقعة شرق أرخبيل القطب الشمالي الكندي، بموقع استراتيجي، إذ يُسهّل مراقبة المياه بينها وبين أيسلندا وبريطانيا. وتُعدّ هذه المياه بوابة للسفن البحرية والغواصات النووية الروسية. ولأميركا وجود عسكري في الجزيرة منذ عقود من خلال "قاعدة بيتوفيك" الأميركية في شمال غرب غرينلاند، التي تكتسب بدورها أهمية استراتيجية لوقوعها على أقصر طريق من أوروبا إلى أميركا الشمالية، ما يجعلها بالغة الأهمية للنظام الأميركي للتحذير من الصواريخ الباليستية.

وسيسهّل الاتفاق الجديد توسيع الوجود العسكري الأميركي في غرينلاند وتطويره. فقد تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي وقّع الاتفاق إلى جانب رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن ورئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن، بأن تبدأ بلاده "عملية تطوير وجود عسكري كبير في المواقع المناسبة"، بما يشمل "بناء قاعدتين عسكريتين كبيرتين جدًا". وستُقام هاتان القاعدتان في نارساارسواك في جنوب الجزيرة وميستيرسفيغ في شرقها. كما أعاد الاتفاق تأكيد "سيادة مملكة الدنمارك وسلامة أراضيها"، واعترف بـ "حق غرينلاند في تقرير المصير".

وينصّ الاتفاق أيضًا على أن غرينلاند، التي يبلغ عدد سكانها 57 ألف نسمة، ملزمة بمواصلة الالتزام به حتى في حال حصولها على الاستقلال عن الدنمارك. كما يتعيّن عليها البقاء في "الناتو" أو الانضمام إليه "إذا لزم الأمر". ويمنع الاتفاق الدول غير الأعضاء في أيّ من "الناتو" والاتحاد الأوروبي من دخول القطاعات الاستراتيجية في غرينلاند. وبوجه عام، لن يُسمح لهذه الجهات بـ "السيطرة أو ممارسة نفوذ كبير أو الوصول إلى معلومات غير متاحة للعامة قد تشكّل تهديدًا للأمن القومي أو النظام العام" ضمن القطاعات الحسّاسة.

وقالت فريدريكسن لترامب خلال مراسم التوقيع: "سيدي الرئيس، لقد كنت واضحًا جدًا. أنتم لا تريدون أن يقترب الخصوم أكثر من اللازم"، متعهّدة بأنه "بموجب هذا الاتفاق، لن يتمكّنوا من ذلك". واعتبرت أن الاتفاق "يُمثّل محطة بارزة" في التعاون المستمرّ منذ زمن طويل بين بلادها وأميركا. وأكد نيلسن بدوره أن غرينلاند مهمّة لأمن أميركا الشمالية وللأمن عبر الأطلسي، قائلًا: "يعكس هذا الاتفاق أننا ندرك مسؤوليتنا ونتصرّف على هذا الأساس". ورأى أن الاتفاق "يأخذ في الاعتبار شعب غرينلاند وحقوقنا وسبل عيشنا وتنمية بلدنا"، مشدّدًا على أن ذلك شكّل أولوية أساسية لغرينلاند طوال العملية.

ورحّب رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا بالاتفاق، واصفًا إيّاه بأنه "خطوة إيجابية للتعاون عبر الأطلسي ولأمن القطب الشمالي". وأكد استعداد الاتحاد الأوروبي "لمواصلة العمل بشكل وثيق مع غرينلاند والدنمارك وشركائنا عبر الأطلسي من أجل قطب شمالي يسوده السلام والأمن والازدهار"، لافتًا إلى أن الاتفاق "يرتكز على احترام السيادة والسلامة الإقليمية وحق شعب غرينلاند في تقرير المصير"، في حين اعتبر الكرملين أن الاتفاق شأن يخصّ الأطراف المعنية، مشيرًا إلى أن التعاون بين واشنطن وموسكو في منطقة القطب الشمالي غير مدرج حاليًا على جدول الأعمال، إذ "يرفض الأميركيون ودول القطب الشمالي التعاون مع روسيا".

وجاء توقيع الاتفاق بعدما أثار ترامب في مطلع العام صدمة لدى الحلفاء الأوروبيين بمطالبته بالسيادة على غرينلاند. وبينما تمنح الصفقة الموقّعة أميركا "سيطرة دائمة" على أمن غرينلاند، لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى يختلف هذا الاتفاق عن اتفاق قائم بين أميركا والدنمارك يعود إلى عام 1951، وتمّ تحديثه عام 2004. وكانت واشنطن قادرة أصلًا بموجب الاتفاق القائم على تعزيز وجودها العسكري في الجزيرة، شرط إبلاغ الدنمارك وغرينلاند مسبقًا.

وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد شدّد، خلال اجتماعه مع نظرائه من سبع دول في منطقة القطب الشمالي الاثنين، على ضرورة الاستثمار في المنطقة لحمايتها وردع المنافسين الاستراتيجيين. وتركّزت المحادثات على تحمّل مسؤولية أكبر في ضمان أمن القطب الشمالي، من خلال تطوير قدرات عسكرية واقتصادية سيادية، وضمان أمن الاستثمارات، وتمويل بنى تحتية حيوية قادرة على الصمود، بما يضمن وصولًا موثوقًا ويدعم القيادة المشتركة في القطب الشمالي.