ريمون شاكر

بعد هزيمة "ترامب"... لبنان إلى أين؟

4 دقائق للقراءة

تُعَـدّ انتخابات التجديد النصفي لعام 1958 في عهد دوايت أيزنهاور، وعام 2006 في عهد جورج دبليو بوش، أقرب النكسات التاريخية المُماثلة لما تعرّض له الحزب الجمهوري في انتخابات 3 تشرين الثاني 2026، حيث خسر الجمهوريون في 2026 السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ معاً في منتصف الولاية الرئاسية الثانية (غير المتتالية) لدونالد ترامب، وهي ظاهرة تُعرَف في السياسة الأميركية بـ"لعنة السنة السادسة" أو Six_year itch...

في العام 1958 حصلت النكسة بسبب الركود الاقتصادي الحاد، وفي العام 2006 بسبب حرب العراق، وفي العام 2026 بسبب الحرب مع إيران وارتفاع أسعار البنزين وتكاليف المعيشة...

يجد ترامب نفسه عالقاً الآن، فإذا عاد للتصعيد العسكري لمحاولة حسم الحرب، سترتفع أسعار النفط مجدّداً ويزداد السخط الشعبي في الداخل، وإذا ذهب للتفاوض الآن وهو مهزوم انتخابياً، ستكون شروط طهران أعلى...

ترامب أمام نافذة زمنية ضيّقة تمتدّ لشهرين فقط (حتى مطلع كانون الثاني 2026) قبل أن يبدأ الكونغرس الديمقراطي الجديد بمحاصرته بالتحقيقات وتقييد تمويل الحرب، لذلك فإنّ السيناريو الأرجح هو الجمع بين التلويح بضربة خاطفة لإجبار طهران على التراجع عن شروطها المتشدّدة، وبين توقيع اتفاق إطاري سريع يفتح مضيق هرمز ويخفّض أسعار النفط، ليتفرّغ بعدها لمعركته الداخلية الكبرى مع الكونغرس مُستخدِماً حقّ النقض (الفيتو) لحماية إرثه السياسي في العامين المتبقّيين من ولايته... 

يدخل لبنان مرحلة "الجمود الأمني والسياسي المعلَّق" بين ضغطين مُتعاكسين؛ إذ تُظهر المُعطيات الميدانية حتى اليوم أنّ الجيش اللبناني والدولة غير قادرين منفردين على نزع سلاح "حزب الله" بالقوّة دون الانزلاق إلى فتنة داخلية (يُهندسها "الحزب" ويُذكّيها)، ما يضع البلاد أمام مسار إدارة الأزمة بالاحتواء التدريجي والقضائي بدلاً من الحسم العسكري المباشَر...

لن يُحسَم ملفّ السلاح داخل لبنان بقرار عسكري لبناني منفرِد، بل سيتّجه مصير البلاد في الأشهر المقبلة نحو "ستاتيكو" هشّ يتحدّد وفق نتيجتين خارجيتين :

_ إذا نجحت صفقة واشنطن وطهران: فسيُدرَج لبنان ضمن تفاهم إقليمي أوسع يجمّد الجبهة الجنوبية ويُبقي سلاح "الحزب" تحت سقف "الاحتواء والتقييد"...

_ أمّا إذا تعثّرت المفاوضات: فسيبقى لبنان عالقاً في منطقة رمادية، وجنوبه يتعرّض لضربات واستنزاف اسرائيلي مستمرّ... 

إنّ المخاض العسير الذي تمرّ به المنطقة يَشي بأنّ زلزال الحرب الشاملة وحده القادر على كسر الجمود وتغيير توازنات القوّة في لبنان والإقليم، وإن كانت ارتداداته ستطال الإقتصاد العالمي وعُمق الخليج العربي بكلفة غير مسبوقة.. لكن هذا الحسم العسكري لن يُثمِر سلاماً دفيناً في لبنان، إلاّ إذا أصابَ المنبع في إيران بضربات قاسية تُجبِر النظام الإيراني على كفّ يده نهائياً عن تمويل شبكة وكلائه وتسليحهم...

أمّا السيناريو الأكثر خطورة (وإن كان مُستبعَداً)، فيكمن في احتمال جنوح إدارة ترامب نحو تسوية متسرّعة تمنح طهران نصراً دبلوماسياً تفرض فيه شروطها، لاسيما الإبقاء على طموحاتها النووية وتأمين غطاء لإعادة تسليح وكلاء الإقليم وعلى رأسهم "حزب الله".. في هذه الحالة، ستتحلّل تل أبيب من القيود الأميركية وتندفع نحو استخدام ترسانتها العسكرية بشكلٍ منفرِد، لضرب التهديد الوجودي في منبعه الإيراني، واجتثاث أيّ محاولة لإعادة بناء المربّع الأمني والعسكري لـ"حزب الله" في لبنان...

إنّ الاعتماد على الخارج في حلّ أزمات الوطن هو انتظار لسراب لا يروي ظمأ الشعوب بل يزيد من ارتهانها.. فالحلّ الخارجي مُسكِِّن مؤقّت لتسكين الألم، أمّا الشفاء الحقيقي فلا ينبع إلاّ من عُمق الجرح ومن وعي أبناء الوطن.


باحث وكاتب سياسي