طهران تفاوض تحت سيف ترامب

7 دقائق للقراءة
الرئيس الأميركي مخاطبًا الجمعية العامة للأمم المتحدة أمس (أ ف ب)

وضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة أمس، الجمهورية الإسلامية أمام معادلة قاسية: اتفاق يفتح أمامها أبواب إعادة البناء، أو إبادة تدفعها إلى الجحيم من دون أي فرصة للنجاة. وبين الخيارين، حدّد أفقًا زمنيًا يرجّح فيه التوصل إلى تسوية بعد الانتخابات النصفية في تشرين الثاني. يحمل هذا الجمع بين التهديد العسكري والانفتاح الدبلوماسي رسالة واضحة مفادها أن باب التفاوض مفتوح تحت الضغط، والوقت المتاح لطهران مثقل بكلفة متصاعدة.

وتكشف إشارة ترامب إلى انتظار الإيرانيين نتائج الانتخابات إدراكه رهان طهران على تراجع هامش حركته. صحيح أنه شدّد على استقلال قراره بشأن إيران عن الاستحقاق الانتخابي، بيد أن نتائج الانتخابات تبقى مؤثّرة في البيئة السياسية لإدارته. وعليه، سعى خطابه إلى بعث رسالة إلى القيادة الإيرانية بأن الانتظار سيُبقيها تحت الضغط نفسه، مع احتمال اتساع الخيارات العسكرية. أما التلويح بالإبادة، فيرفع سقف التهديد ويُبقي خيار الحرب الشاملة على الطاولة.

ولاحقًا، أعلن ترامب إجراء محادثات "مثمرة جدًّا" بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين. وبين التهديد بالقضاء على النظام الإيراني والإعلان عن محادثات مثمرة مع طهران، يرسم الرئيس الأميركي معادلة تفاوضية تجمع الضغط العسكري والوعد بالتسوية. فالتتابع السريع بين التصريحين يوحي بمحاولة رفع كلفة رفض الاتفاق، مع إبقاء المخرج الدبلوماسي مفتوحًا أمام طهران.

وتمنح المحادثات، التي استمرّت نحو ثلاث ساعات على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، هذا المسار مضمونًا عمليًا، خصوصًا مع الإعلان عن لقاءات قريبة. ويعزّز تفاؤل المبعوث ستيف ويتكوف الانطباع بوجود فرصة لاستئناف التفاوض. غير أن غياب التفاصيل حول القضايا المطروحة وحدود التقارب يجعل وصف المحادثات بالمثمرة مؤشرًا سياسيًا يحتاج إلى ترجمة تفاوضية.

وتكمن العقدة في تحويل التهديد الأقصى إلى شروط قابلة للاتفاق. فكلّما ارتفع سقف الوعيد، ازدادت حساسية أي تنازل لاحق لدى الطرفين. لذلك، ستُقاس قيمة لقاء نيويورك بقدرته على تأسيس تفاهمات محدّدة وضمان استمرار الحوار، بعدما أظهرت التجارب السابقة أن فتح القناة الدبلوماسية يمنح فرصة للتسوية، من دون أن يضمن بلوغها. لكن ترامب رأى أن ويتكوف وصهره جاريد كوشنر قادران على إنهاء الأزمة، معتبرًا أن هناك زخمًا كبيرًا يدفع طهران إلى إبرام اتفاق، وذلك خلال اجتماعه مع قادة ومسؤولين من الشرق الأوسط.

بالتوازي، تكتسب إشارات الانفتاح الإيراني دلالتها. فقد وصف مسؤول إيراني كبير أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة بأنها "فرصة ذهبية"، وتحدّث لوكالة "رويترز" عن صلاحيات كاملة للوفد لإحياء المحادثات، وعن إمكان إعادة فتح هرمز خلال سبعة أيام مقابل تخفيف الضغط العسكري ورفع الحصار عن الموانئ. وتوحي هذه المقايضة بحاجة ملحّة إلى استعادة منافذ الاقتصاد، بعدما وسّعت واشنطن إجراءاتها ضمن عملية "المنبوذ الاقتصادي" ضد إيران، لتشمل مصارف أجنبية متهمة بتسهيل الالتفاف على العقوبات وشركات الطيران الإيرانية ووسطاء أجانب، مع تحذير الجهات المتعاملة معها من التعرّض للعقوبات.

تستهدف هذه الإجراءات قدرة إيران على تحصيل الإيرادات وتحريك الأموال والحفاظ على شبكاتها التجارية. ويضيف الحصار البحري ضغطًا مباشرًا على حركة الموانئ، فتتراكم كلفة الحرب مع صعوبة تمويل الاستمرار فيها. يمكن قراءة العودة إلى الدبلوماسية بوصفها استجابة لضغط أميركي هائل، مع بقاء الاستعداد الإيراني لتقديم تنازلات فعلية قيد الاختبار. فطرح الحوار يعبّر عن حاجة إلى مخرج، أما شروطه فتحدّد مدى الجدّية في بلوغه.

ويقابل هذه المرونة خطاب "الحرس الثوري"، الذي أعلن على لسان المتحدّث باسمه حسين محبي، خلال مقابلة مع وكالة "فرانس برس"، تشديد شروط التسوية والمطالبة بالإفراج عن 24 مليار دولار دفعة واحدة قبل المفاوضات، وإدراج رفع الحصار عن اليمن ضمن الاتفاق. كما أعلن رفض التواصل الأميركي معه، ملوّحًا بردّ هجومي على أي ضربات جديدة. وتنسجم هذه الازدواجية مع استراتيجية إيرانية مألوفة تتلخّص بتحرّك الدبلوماسية لاستكشاف التسوية، بينما يرفع الجهاز العسكري سقف المطالب والتهديدات لتحسين شروطها. ومع ذلك، يبقى افتراض توزيع أدوار منضبط بالكامل بحاجة إلى الحذر، نظرًا إلى تعدّد مراكز التأثير داخل نظام الملالي.

وبعد اللقاء الأميركي - الإيراني، أعلن الإعلام الرسمي الإيراني أن الوزير عراقجي أبلغ الأميركيين بشروط طهران لإعادة فتح مضيق هرمز، وتتضمّن الرفع الفوري للحصار البحري والإفراج الفوري عن الأصول الإيرانية المجمّدة وإنهاء الحرب على الجبهات الإقليمية كافة. وتكمن معضلة طهران في أن تحويل كل جبهة إلى ورقة تفاوض يوسّع أيضًا دائرة المتضرّرين من سياستها. فإضافة اليمن إلى المطالب تربط إنهاء الحرب بحماية نفوذها الإقليمي، وتزيد تعقيد الاتفاق بعدما شمل التفاهم السابق لبنان. وكلّما اتّسعت الشروط المسبقة، ارتفعت احتمالات تعثّر المسار واستمرار استنزاف الاقتصاد الإيراني. وتتقدّم التطورات اليمنية اليوم إلى صلب المواجهة. فتوسّع الحوثيين وسيطرتهم على باب المندب واستهدافهم السعودية ومنشآتها النفطية تمنح طهران وحلفاءها قدرة إضافية على تهديد الإمدادات.

يضع تصاعد المواجهة في اليمن والمنطقة واشنطن أمام معادلة شديدة التعقيد. فمن جهة، قد يدفع ارتفاع كلفة الطاقة وتهديد الممرّات البحرية الإدارة الأميركية إلى تسريع البحث عن تسوية تحدّ من انعكاسات الحرب على الأسواق والاقتصاد العالمي. ومن جهة أخرى، قد يقود استمرار الهجمات الحوثية إلى توسيع التدخّل الأميركي، ولا سيّما بعد إعلان الوزير روبيو التزام بلاده الدفاع عن السعودية، ومطالبة مجموعة السبع إيران بوقف تسليح الحوثيين ودعمهم. وأفادت تقارير إعلامية بموافقة بريطانيا على تزويد المقاتلات السعودية بالوقود جوًّا، فيما تعهّدت فرنسا بدعم الرياض، مبدية استعدادها لتأمين منشآت الطاقة المستهدفة ضمن "نهج دفاعي بحت"، وفق "فرانس برس".

وفي موازاة هذا التصعيد، برز تحرّك دبلوماسي إقليمي آخر عكس محاولة لإبقاء باب التسوية مفتوحًا. فقد أكد وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا، خلال اجتماعهم في نيويورك، أن "الحوار والدبلوماسية يُمثّلان السبيل الوحيد للتوصل إلى حلول مستدامة"، مشدّدين على ضرورة الالتزام بمذكرة تفاهم إسلام آباد بما يحقق السلام والاستقرار الدائمين.

غير أن تمسّك هذه الدول بالمسار الدبلوماسي لم يمنعها من إدانة كلّ الاعتداءات التي تستهدف السعودية، وفي مقدّمها الهجمات الحوثية الأخيرة، والتأكيد على دعم سيادة المملكة ووحدة أراضيها وأمنها وحقّها في الدفاع عن نفسها. كما شدّدت على ضمان سلامة الملاحة البحرية وحريتها. وبين ضغط الطاقة وتهديد الممرّات البحرية وتصاعد الخسائر والنزوح داخل اليمن، تبدو الخيارات مفتوحة بين تسوية أسرع ومواجهة أوسع.

وسط هذا المشهد، تحمل عودة خط "شرق - غرب" السعودي إلى العمل أهمية استراتيجية. فبحسب مصادر "رويترز"، استؤنف تشغيله مع احتمال استعادة الصادرات من ينبع بكميات أقلّ لترتفع تدريجيًّا مع الوقت. ويصل الخط مناطق الإنتاج شرق المملكة بساحل البحر الأحمر، موفرًا منفذًا لتجاوز هرمز. واستعادة تشغيله تخفّف هشاشة الإمدادات وتمنح الرياض هامشًا اقتصاديًا وسياسيًا أوسع في مواجهة الضغط.

وتتيح جغرافية ينبع توجيه الشحنات شمالًا نحو قناة السويس، بعيدًا من باب المندب. وبذلك، تتراجع قدرة التهديد عند المضيقين على تطويق الصادرات السعودية، وإن بقيت المنشآت والأنابيب والناقلات عرضة للاستهداف. وتظلّ استعادة التدفّقات كاملة وتأمينها شرطين لترجمة إصلاح الخط إلى مكسب مستدام. كما تمنح هذه المرونة واشنطن وقتًا إضافيًا لإدارة الضغط، وتضعف رهان طهران على اضطرار خصومها إلى التسوية تحت وطأة اختناق الطاقة.

أمام هذه المعادلة، يضيق مجال الهروب إلى الأمام وشراء الوقت بالنسبة إلى طهران. تستطيع إيران مواصلة التعطيل، لكن قدرتها على تحويله إلى مكاسب تتآكل كلّما استعاد خصومها بدائلهم واتّسعت جبهة الاعتراض الدولي. وقرار ترامب الكبير يقابله قرار إيراني حاسم: مقدار ما تقبل طهران تقديمه لوقف الاستنزاف. أما اختبار الدبلوماسية الحقيقي، فيبدأ حين تتحوّل عروض الحوار واللقاءات إلى التزامات قابلة للتحقّق بشأن الملاحة والنووي والجبهات الإقليمية، وتُربط خطوات تخفيف الضغط بتنفيذها.