جون الفغالي

التعددية المجتمعية في لبنان: بين فتيل نزاع وعقد للعيش المشترك

3 دقائق للقراءة

لطالما كان التفاعل بين الحضارات عبر التاريخ أحد السمات الأبرز، فهذا خلق العديد من المجتمعات المركبة مما كرس مبدأ التعددية المجتمعية.

وتعني التعددية المجتمعية وجود مجموعات حضارية مختلفة وثقافات متنوعة ضمن إطار مجتمعي واحد وضمن البلد الواحد.

نظريًا، تشمل التعددية المجتمعية الاعتراف المتبادل لخصوصية كافة المجموعات الحضارية الموجودة ضمن البلد الواحد، إلا أن الواقع في العديد من الدول يعكس عجزاً عن إدارة هذا التنوع، مما يحول التعددية من مصدر غنى إلى فتيل للأزمات والحروب الأهلية.

ويقف لبنان في صدارة الدول التي تواجه معضلة حقيقية في إدارة تعدديته منذ استقلاله، حيث يغرق في دوامة من الأزمات السياسية والدستورية التي تعرقل تقدمه.

تفكيك هذه المعضلة يتطلب التمييز بين نوعين من التعددية: البنيوية (التي تشمل العرق, الدين, والثقافة) والسياسية (التي تضمن التنوع الفكري والتداول السلمي للسلطة).

وفي حين أن التعددية السياسية في المجتمعات الديمقراطية تقوم على الأحزاب الفكرية وحرية التعبير، فإن لبنان يمثل حالة استثنائية مشوهة. فالأحزاب اللبنانية لم تتأسس على عقائد فكرية أو اقتصادية، بل قامت على أسس طائفية بحتة لتكون بمثابة "دروع لحماية مصالح الطوائف". نتيجة لذلك، تحولت التعددية السياسية في البلاد من صيغة مرنة للتعايش إلى حالة نزاعية دائمة.

ويتضح هذا الواقع ضمن كافة مفاصل الدولة؛ بدءاً من غياب القانون المدني الموحد للأحوال الشخصية، وصولاً إلى استقلالية المؤسسات التعليمية والصحية التي بدورها تتبع القوى الطائفية. مع ان النظام أوجد شبكة أمان منعت قيام الديكتاتورية وحمت الأقليات من التهميش، إلا أن السلبيات كارثية. فاتفاق الطائف ثبت حق "الفيتو" والتعطيل، مما أضعف الهوية الوطنية الجامعة لصالح الهويات المذهبية الفرعية. ومع غياب التوافق الداخلي، ارتمت القوى السياسية في أحضان المحاور الإقليمية والدولية طلباً للحماية، ليصبح استقرار لبنان رهناً بالتوافقات الخارجية. علاوة على ذلك، أنتجت المحاصصة الطائفية نظام قائم على الزبائنية السياسية يطيح بمبدأ الكفاءة، مما رسخ الفساد الإداري والانهيار الاقتصادي الغير مسبوق.

فالمشكلة في لبنان ليست في التعددية البنيوية ولا في التعددية السياسية، بل في النظام المركزي الحالي الذي لا يدير التعددية بشكل فعال، والذي منح زعماء الطوائف صلاحيات للهيمنة على موارد الدولة وتقسيم الحصص فيما بينها وبدورها تصور التعددية الدينية على انها مصدر قلق فتنصب نفسها حامية الطائفة من خلال النظام.

يتطلب الإنقاذ اليوم صياغة عقد اجتماعي جديد يضمن حقوق وجود الجميع دون إلغاء أو إقصاء، بالتوازي مع تطبيق سياسة الحياد. إن الحياد هو الطوق الذي سيمنع انجرار لبنان إلى صراعات المحاور الإقليمية، ويوقف تحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية، مما يعزز السيادة الوطنية الحاضنة للتنوع. لقد أثبت النظام الحالي عقمه، وبات التوجه نحو نظام جديد يحفظ التعددية ويحميها بالحياد ممرًا إلزاميًا لاستمرار الكيان اللبناني.