الدكتور سايد حرقص

​علي الطاهر وإيران – كونترا: هل عاد زمن الصفقات السرية؟

4 دقائق للقراءة

​في الشرق الأوسط، لا تكفي أحيانًا قراءة ما يحدث على الأرض لفهم ما يجري؛ فقد يكون الانسحاب من موقع ما نتيجة تفاهم لم يُعلن بعد، والتاريخ يحمل أمثلة كثيرة على تداخل القرار الميداني مع حسابات إقليمية ودولية.

​من هنا تبرز قصة علي الطاهر اليوم، ويبرز معها سؤال يستعيد واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ المنطقة: قضية "إيران–كونترا".

​لكن المقارنة لا تعني أن التاريخ يعيد نفسه، ولا أن تفاصيل صفقة علي الطاهر باتت واضحة للجميع.

​في ثمانينيات القرن الماضي، كانت الولايات المتحدة تسعى إلى الإفراج عن مواطنين أميركيين اختُطفوا في لبنان، في وقت كانت فيه إدارة رونالد ريغان تبحث أيضًا عن قناة للتواصل مع إيران.

​كشفت "لجنة تاور" الأميركية لاحقًا أن مبيعات سرية للأسلحة الأميركية جرت عبر إسرائيل إلى إيران، وارتبطت بشكل من الأشكال بصفقة إطلاق الرهائن الأميركيين المحتجزين في لبنان. وتوضح الوثائق الرسمية أن الأسلحة تحولت إلى وسيلة يُراد من خلالها تحقيق هدفين في آن واحد: الإفراج عن الرهائن، وفتح قناة استراتيجية مع إيران.

​ثم اتسعت القضية عندما تبيّن أن أموالًا مرتبطة بصفقات الأسلحة حُوّلت لدعم ثوار «الكونترا» في نيكاراغوا.

​وهكذا لم تعد القضية مجرد سلاح مقابل رهائن؛ بل أصبحت شبكة مصالح تضم إيران ولبنان والولايات المتحدة وإسرائيل ونيكاراغوا.

​وهنا تكمن أهمية الدرس التاريخي: ما يبدو في الظاهر ملفًا لبنانيًا قد يكون في الحقيقة جزءًا من صفقة أكبر تُدار خارج لبنان.

​اليوم، عندما أعلنت إسرائيل بشكل مفاجئ السيطرة على تلال علي الطاهر من دون مواجهات كبيرة كما كان متوقعًا، برزت تساؤلات حول ظروف انسحاب مقاتلي حزب الله وعناصر الحرس الثوري التي أشارت تقارير إعلامية إلى وجودهم في قاعدة علي الطاهر، وعن الجهة التي اتخذت القرار، وما إذا كان القرار منفردًا أم سبقه تشاور في قطر كما أشار العديد من الصحافيين المخضرمين.

​وكانت صحيفة "الشرق الأوسط" قد نقلت في 5 أيلول رواية تفيد بأن الإخلاء تم بضوء أخضر إيراني. ثم جاءت رواية أكثر إثارة في 11 أيلول؛ إذ نشر الإعلامي سامي كليب معلومات قال إنها تستند إلى مصدر موثوق، وتحدث فيها عن اجتماعات في قطر بوساطة قطرية شارك فيها الجانب الإيراني ومن يمثل حزب الله، وكان موضوعها البحث في إمكانية التوصل إلى تسوية حول علي الطاهر «بلا قتال أو بقتال أقل».

​ثم جاءت رواية الصحافي شارل أيوب في 17 أيلول أكثر تحديدًا، إذ قال إن ما حصل في تلّة علي الطاهر كان نتيجة صفقة إسرائيلية – أميركية – إيرانية، وإن حزب الله تُرك وحيدًا.

​بعد هذه الروايات، لا يمكن تجاهل السؤال الذي يفرضه الواقع: هل كان علي الطاهر ورقة ضمن تفاوض أوسع؟

​في الثمانينيات، لم يكن الرهائن وحدهم موضوع التفاوض، ولم تكن الأسلحة وحدها الغاية؛ بل كانت هناك حسابات استراتيجية أميركية– إسرائيلية تجاه إيران، وكان لبنان إحدى الساحات التي ظهرت فيها نتائج ذلك التفاوض.

​أما اليوم، فإن السؤال يصبح: هل تحولت تلال لبنان إلى ورقة على طاولة المفاوضات الإيرانية –الأميركية–الإسرائيلية؟

​وإذا كانت الرواية التي تحدث عنها الصحافي شارل أيوب عن تفاهم إسرائيلي–أميركي–إيراني صحيحة، فما الذي كان المقابل؟

​في الثمانينيات، اكتشف العالم أن ملفات تبدو في ظاهرها منفصلة ك القصص البوليسية (رهائن في بيروت، أسلحة عبر إسرائيل إلى إيران، وأموال إلى الكونترا في نيكاراغوا) كانت في الواقع متشابكة داخل عملية سرية معقدة واحدة، ولم تظهر الصورة كاملة إلا بعد التحقيقات والوثائق.

​اليوم، إذا كانت هناك صفقة، فيجب أن يعرف اللبنانيون ما هي، ومن عقدها، وما هو ثمنها.

​وإذا لم تكن هناك صفقة، فمن حق اللبنانيين أن يعرفوا لماذا أُخليت تلال بهذه الأهمية، ومن اتخذ القرار، وعلى أي أساس.

​لأن الأخطر أن نكتشف بعد سنوات أن الموقع كان مجرد بند صغير في صفقة كبيرة، وأن القرار الذي غيّر موازين الأرض في لبنان قبضت ثمنه إيران في مكان آخر.