"ضدّ سلاح "حزب الله"، وضدّ السلام بين لبنان وإسرائيل"، هذا هو موقف ما بات يُعرف بـ"الخيار الثالث".
"الخيار الثالث" هو "جو" سياسي يعبّر عنه عدد من الشخصيّات والمجموعات، ويلتحق به آخرين باعتباره "Trend" سياسي رائج.
نبدأ من موقفهم من عمليّة السابع من أكتوبر. بعضهم احتفل بها واعتبرها إنجازًا تاريخيًا وشكلا من أشكال ممارسة الفلسطينيين لـ"حقهم في المقاومة". وبعضهم الآخر كان أقل مجاهرة في التعبير عن فرحه، لكنهم، في نهاية المطاف، يلتقون عند موقف إيجابي من العملية.
مع اندلاع حرب 2024، رفعوا عنوان "التوقيت ليس مناسبًا" للنقاش حول خيارات "حزب الله" وسلاحه، فالأولوية لوقف الحرب وإغاثة النازحين. كأن الحرب حدثًا منفصلا عن الخيارات السياسية والعسكرية لـ"الحزب". وإذا كان الهدف معالجة جذريّة لأسباب الحرب وليس فقط نتائجها، فإن الأولوية يجب أن تكون لتكثيف النقاش السياسي وليس تعليقه.
وهذا تحديدًا ما يرفضه "الخيار الثالث". فالبحث عن المعالجات الجذريّة سوف يقود إلى مقاربة مسألة العداء بين لبنان وإسرائيل التي جعلت من الجنوب ساحة مواجهة منذ عقود. من هنا يمكن الدخول إلى عنوان رفض السلام بين لبنان وإسرائيل. فبعضهم، بدأوا يتحدثون بصوت أعلى ضد سلاح "حزب الله"، كما باتوا يدافعون عن المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، وذلك يعود إلى وجود نواف سلام على رأس الحكومة، كونهم كانوا من المطالبين به لتشكيل الحكومة. هذا موقف طبيعي ومتوقّع، كون سلام معني بها ويدافع عنها. ولا نريد أن نطرح السؤال عن موقفهم من المفاوضات في حال كانت شخصية أخرى، لا يستسيغونها، مكان سلام. لكنهم، في الوقت نفسه، يقفون عند حدود الدفاع عن المفاوضات، ويتمسكون بموقفهم الرافض للسلام.
أما البعض الآخر، فيرفض المفاوضات كما يرفض السلام. وفي هذه النقطة تحديدًا، لا يبدو أن الفارق بينهم وبين "حزب الله" كبيرًا، سوى أنهم يرفعون الخطاب نفسه وهم يحتسون البيرة.
على الرغم من هذا التمايز بين الفريقين، يجتمع الإثنان على ربط أي سلام بين لبنان وإسرائيل بقيام دولة فلسطينية.
لكن، هل يمكن قيام دولة فلسطينية من دون مفاوضات مباشرة بين الفلسطينيين وإسرائيل؟ وإذا كانت المفاوضات تُقبل عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، فلماذا تُرفض بالنسبة للبنان؟
سؤال آخر: هل يمكن الوصول إلى دولة فلسطينية من دون اتفاق سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟ وإذا كان السلام خيار مشروع للفلسطينيين، فلماذا مُحرّم بين لبنان وإسرائيل؟
المشكلة، ليست في الفلسطينيين. فهم يقدّرون ما هو الأفضل لهم من دون الأخذ في عين الاعتبار ما يحصل على الجبهة اللبنانية- الإسرائيلية. وهذا ما فعلوه في محطّات عدّة. فمن اتفاق أوسلو، وصولا إلى الاتفاق الأخير لوقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل، اتخذوا قراراتهم وفق حساباتهم، ولم يربطوا مصالحهم بمصير لبنان.
إذًا، المشكلة في أن يصرّ "الخيار الثالث" على إبقاء المصلحة اللبنانية قربانًا على مذبح مصالح الآخرين.
إن إقفال الجنوب أمام مشاريع الآخرين لا يتحقق بمجرد وقف إطلاق النار، ولا بمجرد اتفاق أمني موقّت. إقفال الجنوب يعني إنهاء وظيفته كساحة صراع إقليمي، وهذا يتطلب معالجة أصل المشكلة، أي حالة العداء بين البلدين، والوصول إلى اتفاق سلام.
مقاربات "الخيار الثالث" تبقي لبنان في المنطقة الرمادية: لا حرب شاملة بل توترات دائمة. ولا تسوية نهائية، ولا سلام، بل عداء دائم. يعني عمليًا إبقاء الجنوب قابلا للاشتعال في كل مرة يحتاج فيها طرف إقليمي إلى جبهة مع إسرائيل.