نبيل يوسف

نهاية "الجبهة الوطنية"... خلوتا "الجبهة اللبنانية" في إهدن وزغرتا

9 دقائق للقراءة
أراد الرئيس فرنجية خلق قوة داعمة لمواقفه داخل "الجبهة اللبنانية"

قررت "الجبهة اللبنانية" عقد خلوة ثانية في إهدن، في ضيافة الرئيس سليمان فرنجية، استمرت من الجمعة 26 آب 1977 إلى الأحد 28 آب منه، وتمثلت الجبهة الوطنية بأمينها العام الشيخ قبلان عيسى الخوري والوزيرين السابقين هنري طربيه وجان نفاع والشيخ سيمون بولس، وفي مقرراتها ضم الشيخ قبلان عيسى الخوري إلى "الجبهة اللبنانية" رسميًّا ممثلا "الجبهة الوطنية".

عند انتهاء الخلوة وفي دردشة مع الصحافيين وردًّا على سؤال عن انسحاب بعض النواب من الجبهة، قال الشيخ قبلان عيسى الخوري: لم يعلن أي نائب انسحابه إلا جبران طوق، وأما باقي النواب فما زالوا فيها، لكنه اعترف بأنهم لا يشاركون دائمًا في اجتماعات الجبهة التي لا تلزم الأعضاء المشاركة في اجتماعاتها.

أطل العام 1978 وبدا واضحًا أن الانقسام داخل الجبهة اللبنانية يتوسع فما عاد الرئيس سليمان فرنجية يحضر اجتماعاتها، وراح التوتر يزداد في الشمال بين مناصري حزب "الكتائب" وأنصار الرئيس فرنجية.

في محاولة لوقف هذا التدهور، جال النائب إدوار حنين والدكتور فؤاد أفرام البستاني والمؤرخ جواد بولس والشيخ قبلان عيسى الخوري على قيادات "الجبهة اللبنانية"، حيث تقرر موعد الخلوة الثالثة في زغرتا التي انعقدت السبت 21 كانون الثاني 1978 وتمثلت "الجبهة الوطنية" بأمينها العام الشيخ قبلان عيسى الخوري والشيخ سيمون بولس.

خرجت الخلوة بمقررات أقل ما يقال إنها عادية جدًّا في ظروف استثنائية، وبعد انتهاء أعمالها تأكد أن الأمور آخذت بالتدهور في الأقضية المسيحية الشمالية.

في شباط كانت المواجهة العسكرية الأولى مع الجيش السوري أمام ثكنة الفياضية التي فشل في اقتحامها وأصيب بخسائر كبيرة.

هال الجميع تطور الأوضاع بعد الخسائر التي تعرض لها الجيش السوري، وبناء لنصيحة الشيخ قبلان عيسى الخوري كلف الرئيس سركيس الرئيس فرنجية التوجه إلى دمشق ومحاولة معالجة الأزمة. نجح فرنجية في مسعاه مع حافظ الأسد، وعاد بخريطة طريق للحل تبدأ بصدور بيان عن "الجبهة اللبنانية" يجدد الثقة بالمبادرة السورية في لبنان، وأقنع باقي أعضاء الجبهة بإصداره.


الوثيقة البرلمانية

بعد خلوة زغرتا وأحداث الفياضية بدأ انفراط عقد "الجبهة الوطنية" بصمت، وكانت البداية مع الوثيقة البرلمانية فماذا حصل يومها؟

تحرك مجلس النواب في مسعى لفتح صفحة جديدة تطوي صفحات المآسي من خلال لجنة برلمانية ضمت 31 نائبًا يمثلون مختلف الكتل يرأسها الرئيس كامل الأسعد، خلصت بعد اجتماعات عدة إلى إقرار صيغة برلمانية اعتبرت خطوة أساسية نحو تحقيق الوفاق، وأكدت أن لا وجود مسلّح في لبنان غير السلطة الشرعية.

أقر المجلس النيابي نهار الخميس 28 نيسان 1978 الوثيقة بعد تعديلات طفيفة عليها وتوضيحات حول اتفاق القاهرة طمأنت المتحفظين، وسط ترحيب معظم القيادات اللبنانية.

رفض الرئيس سليمان فرنجية الوثيقة وتغيّب عن الجلسة النواب: طوني فرنجية، فؤاد غصن، باخوس حكيم وعبد الله الراسي، فيما صوّت باقي النواب أعضاء "الجبهة الوطنية" مع الوثيقة، ما بيّن أنهم أصبحوا فعليًا خارجها. هنا ظهر خلاف الرئيس سليمان فرنجية علنًا مع "الجبهة اللبنانية" وغادر إلى زغرتا.

الأربعاء 3 أيار 1978 وفي دردشة مع الصحافيين، أظهر الرئيس فرنجية عتبه على رفاقه في "الجبهة اللبنانية"، معتبرًا أنهم يعلنون شيئًا ويفعلون عكسه، متسائلا كيف يوافق الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل على بنود الوثيقة البرلمانية التي أقرها المجلس النيابي التي لا تقدم أي ضمانات للبنانيين ازاء الخطر الفلسطيني؟ وأعلن أنه سيحارب التقسيم ومستعد أن يصل الشمال المسيحي بالمناطق الاسلامية الشمالية، إذا قيض للتقسيم أن يتحقق، فيما كان اعتبر النائب طوني فرنجية في حديث نشرته الصحف المحلية نهار إقرار الصيغة البرلمانية أنها تجاهلت قرارات "الجبهة اللبنانية" بإزالة الوجود الفلسطيني المسلّح.

مساء الخميس 11 أيار،وفي محاولة لترميم "الجبهة اللبنانية"، زار الرئيس كميل شمعون والنائب إدوار حنين والشيخ قبلان عيسى الخوري الرئيس سليمان فرنجية في منزله في النقاش، وخرج الرئيس فرنجية بعد اللقاء ليعلن للصحافيين أنه لا يزال في صفوف الجبهة اللبنانية ويشارك في تنفيذ مقرراتها ولو لم يشارك في الاجتماعات عازيًا عدم مشاركته إلى أن نظام الجبهة يلغي القرارات التي لا تخضع للاجماع ما كان سيعطل عمل الجبهة لأنه يعارض الصيغة النيابية التي أقرها مجلس النواب ووافقت عليها "الجبهة اللبنانية"، ومستعد للمشاركة غير المشروطة في اجتماعات الجبهة عندما تقرر الجبهة شيئًا وتريد تنفيذه وهو يشارك في التنفيذ من دون قيد أو شرط، لكن من يومها ما عاد الرئيس فرنجية يشارك في اجتماعات "الجبهة اللبنانية".

في اليوم التالي، تفاجأ الجميع بخبر انتشر عصرًا عن لقاء مصالحة جرى بين الرئيس سليمان فرنجية والرئيس رشيد كرامي اللذين التقيا إلى مائدة قائد القوات السورية في الشمال العقيد تامر الجوني في مقر قيادته في ضهر العين قرب طرابلس بعد قطيعة استمرت نحو 3 سنوات، بمشاركة النواب رينيه معوض، الأب سمعان الدويهي، طوني فرنجية والشيخ سيمون بولس، بغياب الشيخ قبلان عيسى الخوري وباقي أعضاء الجبهة الوطنية.

لم تتأخر ردود الفعل، فالرئيس شمعون أبدى تحفظه على اللقاء متمنيًا لو أن الرئيس فرنجية أطلع رفاقه في "الجبهة اللبنانية" عليه مسبقًا، فيما رحب الشيخ بيار الجميل باللقاء "وبأي لقاء مصالحة".

في اليوم التالي، تعرّض الرئيس فرنجية لعارض صحي استوجب نقله من زغرتا إلى مستشفى أوتيل ديو، وفور وصوله سارع الشيخ بيار الجميل والرئيس شمعون وقيادات المنطقة الشرقية للاطمئنان على صحته، وبقيت قيادات المنطقة الشرقية إلى جانبه حتى خروجه من المستشفى وانتقاله إلى منزله في النقاش.

في هذا الوقت راحت الاحتكاكات تتزايد بين الزغرتاويين المناصرين للرئيس سليمان فرنجية والعناصر الكتائبية في بلدات شمالية عدّة خاصة في شكا.


الشيخ قبلان عيسى الخوري الاطفائي

لمعالجة ما يجري في الشمال وبمسعى من الشيخ قبلان عيسى الخوري، التقى عصر الأحد 28 أيار نائب البترون جورج سعاده والنائب طوني فرنجية في منزل آل ضو في البترون في جلسة مصارحة، وكانت المواقف متباعدة جدًّا، ولم يصل الاجتماع إلى نتيجة سوى الاتفاق مجددًا على اللقاء.

حاول الشيخ قبلان عيسى الخوري استكمال اجتماع منزل آل ضو بمحاولة جمع النائب طوني فرنجية والشيخ بشير الجميل وساعده في مسعاه النائب جورج سعاده وسليم بك كرم، ولكن لم تسفر الاتصالات عن نتيجة، وأصبح واضحًا أن الأمور آخذة بالتدهور.

ازداد تسارع الأحداث في الشمال المسيحي وفي اليوم الأخير من أيار سقط 4 شبان قتلى في مطعم شركة الاترنيت في شكا، وقبل ظهر الأربعاء 7 حزيران قتل جود البايع في مكتبه في شكا، ووصل الجميع إلى فجر 13 حزيران 1978 فانتهت "الجبهة الوطنية" وما عاد الشيخ قبلان عيسى الخوري يشارك في اجتماعات "الجبهة اللبنانية"، لكنه استمر في مهمة الاطفائي مع رئيس الرابطة المارونية المحامي شاكر أبو سليمان.


لماذا توقف نشاط الجبهة الوطنية سريعًا؟

يلخص الرائد جان القاصوف ضابط الشعبة الثانية يومها في الشمال وكان مسؤولا عن الأقضية الشمالية الخاضعة لسلطة "الجبهة اللبنانية" ظروف ولادة الجبهة الوطنية بالقول: منذ تأسيسها كان واضحًا أنه لن يكتب لها العمر الطويل، فظروف تفجيرها من الداخل.

لقد ضمت "الجبهة الوطنية" يومها قيادات فلنقل عائلية أو تقليدية، وأراد الرئيس فرنجية من تشكيلها خلق قوة داعمة لمواقفه داخل صفوف "الجبهة اللبنانية" على غرار حزبي "الكتائب" و"الأحرار"، فيما للبعض رأي من أن الرئيس فرنجية والقيادات التي التقت معه كانوا يرغبون بوقف تمدد الأحزاب المسيحية، لا سيما حزب "الكتائب" في الأقضية المسيحية الشمالية.

في المقابل، اعتبرت أحزاب وتنظيمات "الجبهة اللبنانية"، ولا سيما حزب "الكتائب"، أنها خرجت من حرب السنتين منتصرة، بعدما صمدت ودفعت أثمانًا غالية، وأنها لن تقبل بوقف تمدّدها بين الشباب في جميع القرى والبلدات.

هنا وقعت الإشكالية الكبرى في الأقضية الشمالية المسيحية: العائلات تعتبر أن هناك مخططًا لإلغائها، وحزب "الكتائب" يعتبر أن هناك قرارًا بمنع انتشاره في الشمال، وكان السلاح في أيدي الجميع، ومخابرات التنظيمات المحلية والفلسطينية والسورية والعربية منتشرة، فوقع الجميع في المصيدة الكبرى.

يكمل الرائد القاصوف: بالعودة إلى "الجبهة الوطنية"، لم يكن جمع تلك القيادات مكتوبًا له الاستمرار، لعوامل وأسباب عدّة، ولا سيما الترسّبات القديمة بين العائلات الشمالية. فالنائب بطرس حرب لا يمكنه الاستمرار في الجبهة، وهو الذي لم يبق بعد انتخابه نائبًا عام 1972 أكثر من سنة في كتلة نواب الوسط التي كان يرأسها النائب طوني فرنجية فخرج منها في عز ولاية الرئيس فرنجية، وهذا ما ينطبق أيضًا على النائب جبران طوق، الذي رفض عام 1972 الانضمام إلى كتلة نواب الوسط، والمتابعون يعلمون أن المواجهات الزغرتاوية البشراوية غالبًا ما كانت تحصل بين آل فرنجية وآل طوق، وفيما خص النائب طارق حبشي، فالمزاج الشعبي المسيحي في البقاع الشمالي يميل باتجاه الرئيس كميل شمعون وحزب "الكتائب" وقلب المنطقة الشرقية.

من هنا كانت مشاركة النواب الثلاثة في الجبهة الوطنية شكلية منذ البداية وأعتقد أنها اقتصرت على المشاركة في المؤتمر الصحافي عند إعلان الجبهة، وأتت الحادثة التي وقعت بعد أسبوع بين بشري وزغرتا لتبعد أيضًا بصمت النائب حبيب كيروز، رغم العلاقة التاريخية الجيدة بينه وبين الرئيس فرنجية، وعند اعلان الوثيقة النيابية في نيسان 1978 التي عارضها الرئيس فرنجية، لم يتضامن معه من نواب "الجبهة الوطنية" سوى وابنه طوني فرنجية ونائبي الكورة فؤاد غصن وباخوس حكيم وصهره عبد الله الراسي، ما يعني أن باقي النواب أصبحوا خارج صفوف "الجبهة الوطنية" ومن ضمنهم نائبا زغرتا رينيه معوض والأب سمعان الدويهي.

هنا لم يبق في الجبهة فعليًا بعد إقرار الوثيقة البرلمانية سوى أمينها العام الشيخ قبلان عيسى الخوري الذي كان دوره في تلك المرحلة اطفائيًّا بين القيادات المسيحية المتصارعة، والنواب الأربعة الذين تغيبوا عن جلسة اقرار الوثيقة، والشيخ سيمون بولس والمحامي جورج يوسف ضوّ. أما الوزراء السابقون الذين يدينون بفضل توزيرهم للرئيس فرنجية فلم يعودوا يلعبون أي دور، حتى القيادي الزعرتاوي سليم بك كرم كانت مشاركته في الجبهة شكلية من البداية، وعاد النائب فؤاد غصن عام 1982 بناءً لإلحاح الرئيس الياس سركيس المرتبط معه في تحالف شهابي قديم وانتخب الشيخ بشير الجميّل منهيًا تحالفه مع الرئيس فرنجية.

ختم كلامه: لم ترغب القيادات التي التقت في الجبهة الوطنية تأسيس حزب سياسي وهنا كانت المعضلة، فلا يمكنهم الاستمرار في هكذا تجمعات في وجود أحزاب منظمة تنمو بسرعة بين الشباب وتنتشر في البلدات والقرى والمدارس والمصانع.