طارق أبو زينب

السعودية... قوّة تردع ودبلوماسية ترسم المسار

4 دقائق للقراءة
الهجمات على السعودية لم تدفع الرياض إلى الانكفاء (أ ف ب)

في اليوم الوطني السعودي الـ 96 (الذي صادف يوم أمس)، لا تختبر المملكة حدود قدرتها على حماية أمنها فحسب، بل ترسم أمام الإقليم معادلة أكثر وضوحًا للقوّة: ردع يحمي السيادة، ودبلوماسية تفتح مسارات الحل، وشراكات توسّع مظلّة الأمن، واقتصاد يواصل العمل تحت الضغط. ومن هذه الزاوية، تبدو المواجهة مع إيران ووكلائها، وفي مقدّمتهم الحوثيون، جزءًا من صراع أوسع على شكل الأمن والاستقرار في المنطقة.

الهجمات المتكررة على الأراضي السعودية لم تدفع الرياض إلى الانكفاء، بل عزّزت مقاربة تقوم على حماية المجال الوطني والمنشآت الحيوية، بالتوازي مع توسيع الخيارات السياسية والأمنية. وعندما يصل التهديد إلى محيط مكة، تتضاعف دلالته، لأنّ حماية المقدّسات ليست ملفًا أمنيًا عاديًا، بل مسؤولية سيادية ودينية تتجاوز حدود المملكة.

وفي هذا السياق، أعلنت مصادر سعودية أن الدفاعات اعترضت مسيّرة حوثية جنوب مكة قبل دخولها المجال الجوّي المحظور. ويكشف التعامل مع هذا النوع من التهديدات أن الرياض تنظر إلى أمن المقدّسات باعتباره جزءًا من أمن الدولة، وأن منظومة الردع لا تنفصل عن حماية المجال الحيوي للمملكة.

أما اقتصاديًا، فقد حاولت الهجمات ضرب أحد أهم مفاصل الطاقة السعودية. فالهجوم الذي نُفّذ في وقت سابق من هذا الشهر ألحق أضرارًا بثلاث محطات ضخ، وأوقف موَقّتًا عمليات خط أنابيب شرق ـ غرب، قبل أن تعود العمليات تدريجيًا الثلثاء بطاقة مخفضة. وتكمن أهمية الخط في نقل النفط إلى البحر الأحمر وتوفير مسار بديل لتصدير الخام، بما يمنح السعودية مرونة إضافية في إدارة مخاطر الممرّات البحرية.

لكنّ القوّة السعودية لا تُقاس فقط بقدرتها على امتصاص الضربات، بل أيضًا بقدرتها على تحويل التحدّيات إلى شراكات أمنية أوسع. فقمة مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في 7 آب أطلقت إطارًا دفاعيًا يقوم على اعتبار أي اعتداء مسلّح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعًا، مع تعزيز التعاون الدفاعي والأمني. وهذه المعادلة ترفع مستوى الردع وتوسّع شبكة المصالح المشتركة.

وفي المسار الدبلوماسي، تتحرّك الرياض على خط موازٍ. ففي 22 أيلول، أكدت السعودية ومصر وتركيا وباكستان حق المملكة في الدفاع عن نفسها وفق القانون الدولي، وأكدت في الوقت نفسه أن الحوار والدبلوماسية هما الطريق إلى حل مستدام، مع التشديد على أمن الملاحة ودعم استقرار اليمن. وهنا تظهر السياسة السعودية في صورتها الأكثر اتساقًا: لا تنازل عن السيادة، ولا إغلاق لباب التسوية.

وتتجاوز أهمية هذه المقاربة حدود المواجهة المباشرة. فالصواريخ والمسيّرات التي تهدّد المدن والمنشآت ترتبط بأمن البحر الأحمر وباب المندب وحركة التجارة والطاقة. لذلك، يصبح الدفاع عن السعودية جزءًا من حماية منظومة إقليمية ودولية أوسع، فيما تتحوّل الشراكات الأمنية إلى أداة لخفض مخاطر التوسّع في النزاع.

وفي الوقت نفسه، تعطي استعادة تشغيل خط شرق ـ غرب رسالة عملية بأن البنية التحتية السعودية قادرة على التعافي والعمل رغم الاستهداف. فالمرونة هنا ليست تفصيلًا تقنيًا، بل عنصرًا من عناصر القوّة الاقتصادية والأمنية، لأنّها تقلّل قدرة الهجمات على تعطيل مصالح المملكة أو تغيير خياراتها. من هنا، تتبلور المعادلة السعودية: الردع لحماية الحدود، الشراكات لتوسيع القدرة، الدبلوماسية لاحتواء التصعيد، والاقتصاد لتثبيت الاستقرار. وهذه الأدوات لا تعمل منفصلة، بل ضمن رؤية واحدة تجعل أمن المملكة مرتبطًا بأمن الإقليم وبسلامة التجارة والطاقة.

وتكتسب هذه الرؤية أهمّية إضافية في مرحلة تتشابك فيها الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية. فالمملكة لا تواجه تهديدًا منفردًا، بل بيئة إقليمية تتقاطع فيها الصواريخ والمسيّرات مع أمن الملاحة والطاقة. لذلك، فإنّ بناء القدرة على الردع، بالتوازي مع إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، يمنح السياسة السعودية مساحة أوسع للتعامل مع الأزمات، ويحافظ على أولوية الاستقرار والتنمية في آن واحد. وبذلك، تصبح حماية المصالح الوطنية جزءًا من تصوّر أشمل للأمن، لا مجرّد استجابة موَقّتة لكلّ هجوم جديد. وهو ما يعزز قدرة المملكة على إدارة المخاطر وصناعة خياراتها الاستراتيجية المستقلّة.

وفي اليوم الوطني السعودي الـ 96، تبدو الرسالة الأوضح أن قوّة الدولة لا تُقاس بمنع التهديدات من الظهور، بل بقدرتها على حماية سيادتها، واستعادة عملها، وتوسيع خياراتها، ومنع الخصوم من فرض مسارهم عليها. وبين الردع والدبلوماسية، تواصل الرياض بناء معادلة أمنية أكثر اتساعًا، عنوانها حماية المملكة ومصالحها، والمساهمة في تثبيت استقرار المنطقة.