لم يعد السؤال في لبنان اليوم متى تنتهي الحرب، ولا متى تستأنف المفاوضات، ولا حتى متى تنسحب إسرائيل من الجنوب، السؤال الأخطر هو ماذا سيكون شكل لبنان عندما تنتهي هذه المرحلة، وهل يكون قد خرج فعلا من الحرب، أم أنه يكون قد دخل في مرحلة جديدة من الانتظار المفتوح، والأخطر من ذلك سؤال بدأ يفرض نفسه بقوة في الأوساط السياسية: هل لا تزال الولايات المتحدة تدير المسار اللبناني- الإسرائيلي، أم أن واشنطن بدأت، بفعل تطورات المنطقة وحساباتها الأوسع، تترك لإسرائيل هامشًا أكبر لإدارة الواقع اللبناني، ولا سيما في الجنوب؟ لا توجد حتى الآن معطيات تسمح بالقول إن الولايات المتحدة تخلت عن لبنان أو سلّمته لإسرائيل، فواشنطن لا تزال الراعي المباشر للمفاوضات، ووزارة الخارجية الأميركية أكدت أن الاتفاق الأمني بين لبنان وإسرائيل هو الآلية القابلة للحياة لاستعادة السيادة اللبنانية وضمان أمن إسرائيل، فيما يستمر التحضير لجولة جديدة في روما خلال تشرين الأول.
لكن السياسة لا تُقرأ فقط بما يقال، بل أيضًا بما يحدث على الأرض، وهنا تكمن خطورة اللحظة، فالرئيس الأميركي دونالد ترامب ألقى في الثاني والعشرين من أيلول خطابًا طويلا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة تناول فيه إيران والحرب والتهديدات الإقليمية والسياسة الأميركية، لكنه لم يتوقف عند لبنان أو المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية، فهل يعني ذلك أن لبنان خرج من أولويات واشنطن؟ ليس بالضرورة، لكن هل يحق للبنان أن يقلق من أن يكون قد انتقل من موقع الملف الذي تديره واشنطن مباشرة إلى موقع الملف الذي تُدار تداعياته على الأرض من خلال إسرائيل؟ بالتأكيد، وهذا هو السؤال الذي يجب ألا نخاف من طرحه، فالمفاوضات نفسها متعثرة، والجولة التي كانت مقررة في أيلول تأجلت إلى تشرين الأول، والجولات السابقة لم تحقق اختراقًا حاسمًا في الملفات الإقليمية والحدودية الأساسية.
وفي الوقت نفسه، تواصل إسرائيل بناء واقع أمني جديد في الجنوب، بينما لا يزال الجيش اللبناني أمام مهمة شديدة التعقيد تتعلق ببسط سلطة الدولة في منطقة لم تكن فيها الدولة وحدها صاحبة القرار الأمني، وفوق ذلك كله، تقترب "اليونيفيل" من نهاية مهمتها في نهاية العام، فيما لم تتبلور بعد بصورة نهائية صيغة المرحلة التالية، وقد حذر مسؤولون أمميون من أهمية أن يكون الانتقال سلسًا، فيما يجري البحث في ترتيبات جديدة لمعالجة الفراغ الذي قد يتركه الانسحاب، وهنا يصبح المشهد أكثر خطورة، فإذا انسحبت اليونيفيل، ولم تُحسم المفاوضات، وبقيت إسرائيل في مواقعها، ولم تستكمل الدولة اللبنانية بسط سلطتها الكاملة، فهل نكون أمام فراغ أمني وسياسي يسمح لإسرائيل بأن تدير عمليًا جزءًا من الواقع الجنوبي وفق حساباتها الأمنية؟ هذا هو السؤال الحقيقي، لأن إسرائيل لا تنتظر انتهاء النقاش السياسي حتى تتحرك، فهي تبني وقائع على الأرض، وتقول إن وجودها مرتبط بمنع عودة التهديدات إلى مستوطناتها الشمالية.
في المقابل تريد الدولة اللبنانية أن يتحول الجيش إلى القوة الوحيدة القادرة على ضبط الجنوب وحماية السيادة، وبين الموقفين تقف واشنطن، وهنا لا يكفي أن نعرف ما إذا كانت الولايات المتحدة قد تخلت عن لبنان، بل علينا أن نسأل سؤالا أكثر دقة: هل ما زالت واشنطن تريد أن تكون صاحبة القرار في المسار اللبناني، أم أنها تريد فقط أن تضمن ألا يخرج هذا المسار عن مصالحها الإقليمية، حتى لو تولت إسرائيل إدارة التفاصيل الميدانية؟
الفارق بين الأمرين كبير، فإذا كانت الولايات المتحدة لا تزال راعية للحل، فإن عليها أن تثبت أن رعايتها تعني حماية مسار الدولة اللبنانية، وليس فقط ضمان أمن إسرائيل، أما إذا كان المطلوب من لبنان أن ينفذ ما عليه، بينما تبقى إسرائيل حرّة في فرض وقائعها العسكرية، فإننا لا نكون أمام تسوية متوازنة، بل أمام إدارة للأزمة من طرف واحد، وهنا يجب أن تكون الدولة اللبنانية شديدة الوضوح. فلبنان لا يطلب من المجتمع الدولي أن يحارب إسرائيل عنه، ولا يريد حربًا جديدة، ولا يرفض التفاوض، لكنه يريد أن تكون المفاوضات طريقًا لاستعادة سيادته، لا غطاءً لفرض أمر واقع جديد عليه.
وفي المقابل لا يمكن للدولة أن تستعيد سيادتها الكاملة إذا بقي قرار الحرب والسلم موزعًا بين أكثر من جهة، ولا يمكن للجيش أن يتحمل وحده مسؤولية الجنوب إذا لم يكن هو صاحب القرار الأمني الوحيد فيه، وهذه ليست معركة بين الجيش و"حزب الله"، ولا بين لبنان وإسرائيل فقط، إنها معركة على تعريف الدولة نفسها، هل نحن أمام دولة واحدة، بجيش واحد، وقرار أمني واحد، وسياسة خارجية واحدة؟ أم أمام دولة موجودة في المؤسسات، بينما تُدار أجزاء من أمنها وحدودها وفق موازين قوى داخلية وإقليمية ودولية؟ وهنا تحديدًا يقف لبنان أمام مفترق طرق، فإما أن تتحوّل المفاوضات الأميركية إلى طريق فعلي يعيد تثبيت السيادة اللبنانية، ويؤدي إلى انسحاب إسرائيلي، وانتشار كامل للجيش، وترتيب أمني واضح يحمي الحدود، وإما أن يتحوّل المسار كله إلى مجرد إدارة طويلة للأزمة، يكون فيها لبنان الطرف الذي ينتظر، فيما الآخرون يصنعون الوقائع ويقررون إيقاع الأحداث، ولبنان لا يستطيع أن يبقى في غرفة الانتظار، لأن الحرب قد تتوقف، والمفاوضات قد تستأنف، والقوى الدولية قد تغيّر أولوياتها، لكن الدولة إذا بقيت معلّقة بين أكثر من قرار، فإن الخطر يصبح أكبر من أي حرب، والخطر الحقيقي ليس أن يخسر لبنان جولة تفاوض، بل أن يخسر حقه في أن يكون صاحب القرار، وعندها لن تكون المشكلة أن أميركا تخلّت عن لبنان، أو أن إسرائيل أدارت الجنوب، المشكلة ستكون أن لبنان نفسه يكون قد تحوّل إلى دولة تُدار من الخارج، بعدما عجز أهله عن حسم أن قرارها يجب أن يكون من الداخل، فالمطلوب اليوم ليس أن نعرف من يدير غرفة العمليات في المنطقة، المطلوب أن نخرج لبنان من غرفة الانتظار، إما دولة كاملة السيادة، أو دولة تُدار أزماتها بالوكالة، أما الدولة التي لا تملك قرارها الكامل، فهي ليست دولة كاملة… مهما بقيت أعلامها مرفوعة ومؤسساتها قائمة.