سامر زريق

في اليوم الوطني السعودي: الرئيس صائب سلام يكتب

عبد العزيز... ذاك البطل المنقذ الذي كنا نحلم به

6 دقائق للقراءة

يرسم الرئيس الراحل صائب سلام، الزعيم السني، وأحد أبرز رجالات الدولة والسياسة في تاريخ لبنان المعاصر، "بورتريه" خاص عن الملك المؤسس للدولة السعودية الثالثة، عبد العزيز آل سعود، مقدمًا توصيفه، وكيفية تعرّفه على شخصيته الفريدة، والقيم التي كان يتحلى بها وعمل على إرسائها كمداميك أساسية في بناء الدولة والشخصية السعودية، والتي لا تزال من السمات المميزة والمؤثرة في نهج المملكة وتعاملها مع الدول الشقيقة والصديقة، كيانات وأشخاص.

يقول سلام "نشأت في بيت إسلامي عتيق في بيروتيته، وعريق في عروبته وإسلامه، وفي بيئة ومدارس عربية وإسلامية". ثم يستعيد بعض العادات والتقاليد البيروتية في مراحل الفتوة والصبا، وما كان يرافقها من تعلق وجداني بالإرث العربي والإسلامي ورموزه، وتوق إلى من يعيد إحياء وتجسيد تلك الصورة.

"وكانت الجزيرة العربية، وهي مهبط الوحي، وحاضنة الدين الإسلامي والحرمين الشريفين، ومنها مصدر الأصالة العربية، تستهوينا، وتهفو إليها وإلى من فيها قلوبنا، وتنجذب إليها أنظارنا، ونتطلع إلى أن يأتي المنقذ منها".

بدأت أخبار عبد العزيز وبما يتحلى به من مروءة وفروسية تبلغ مسامع وإدراك الفتى البيروتي "بدأت أسمع عن تلك الشخصية الفذة عبد العزيز آل سعود... وكنت قد بلغت سن الفتوة الواعية، فرحت أتتبع أخبار تلك الشخصية التي تجسدت فيها رجولة البطل العربي، وطارت أخباره، واشتهرت ثورته لما كان فيها من الصدق والإيمان. فخرج عبد العزيز من منفى آل سعود في الكويت مع نفر قليل من المؤمنين الشجعان، لا يزيد عددهم عن أربعين رجلا، واستعاد ملك آبائه وأجداده في نجد".

ثم يأتي أمين الريحاني، "فيلسوف الفريكة"، ليؤدي دورًا أساسيًا في تكوين هذه الصورة. كان صديقًا لوالد سلام، ثم أصبح صديقًا له، وخصّ في كتابه "ملوك العرب" سلطان نجد عبد العزيز بوصف وإعجاب كبيرين.

يصف سلام كيف توثّقت العلاقة والصداقة بين الكاتب اللامع "فيلسوف الفريكة" و"الأمير الفارس"، وكيف عرف القارئ من خلال الريحاني شخصية "فيها الإيمان كما فيها الشجاعة والصدق والصراحة مما يأخذ بمجامع الألباب".

كان سلام يزور الريحاني في بلدة "الفريكة" الكسروانية، فيسمع منه أحاديثه عن السلطان عبد العزيز، ويرى الفرسين الأصيلتين اللتين أهداهما إليه الملك "فيزيد ذلك في تعرفي إلى شخصيته الفذة، وفي متابعتي لمسيرته، وكنت أعجب بطريقته في معالجة الأمور في بلده".

تجدر الإشارة إلى أن زيارة بلدة "الفريكة" ومتحف الريحاني فيها تعد بمثابة تقليد درجت عليه الدبلوماسية السعودية في لبنان، ولا يزال مستمرًا.

كما يبين سلام كيف كان الملك عبد العزيز يتجاوز خصومات الأمس ويطوي صفحتها برقيّ أخلاقي وسياسي من أجل الصالح العام العربي والإسلامي، وهي الميزة التي طبعت سياسة المملكة منذ التأسيس حتى يومنا هذا.

"راحت السنوات تطوى وأنا أتتبع الملك عبد العزيز، فيزداد إعجابي به وبمسيرته الجبارة".

ثم أخذت الصورة تتحول من الحكاية إلى المعرفة الشخصية. تعرّف سلام إلى عدد من أبناء عبد العزيز، ومنهم الأمير فيصل، وإلى أمراء كانوا يقصدون لبنان للاصطياف في ربوعه، مثل الأمير فهد. ويذكر أن الأمير سلطان والأمير تركي والأمير سلمان، الملك الحالي، كانوا ممن يقيمون فترات طويلة في بيروت، وأن صداقات وثيقة نشأت بينهم.

إلى أن جاءت سنة 1953، وكان سلام يومها صاحب شركة "طيران الشرق الأوسط" ورئيس مجلس إدارتها. توجه بطائرة من طائرات الشركة إلى المملكة، فأنزلوه ورفاقه في ضيافة الملك عبد العزيز في قصر "المربع".

"وفي اليوم التالي، دخلنا على الملك في ديوانه، وكان يجلس على مقعد خاص قائم على عجلات صغيرة يجرونه فيه، فأجلسني إلى جانبه، بينما ملأ الرفاق الديوان غير الكبير الذي استقبلنا فيه. طال الحديث في جو ودي للغاية وتشعّب، وتناول القضايا العربية والإسلامية. وكانت للملك عبد العزيز آراؤه الخاصة المستمدة من فكره النير وتجاربه الطويلة".

ويذكر إحدى العادات العربية المتأصلة في شخصية الملك عبد العزيز وهي إكرام الضيف. فيتحدث عن الهدايا التي وجدها ورفاق السفر في غرفهم، من العباءات والساعات والسجاد العجمي، والحقائب المليئة بالحرائر الهندية والساري الهندي، والسيوف والخناجر.

كانت تلك الصورة تتشكل في زمن مختلف تمامًا. في تلك الفترة، أي أواخر الأربعينيات والخمسينيات، كانت المنطقة تدخل عصر الانقلابات العسكرية، ويتصدر المشهد القادة العسكريون، ويتصاعد وهج زعامة جمال عبد الناصر.

وبالتالي فإن تعلق سلام ورفاقه بالملك عبد العزيز لم يكن نتاج صورة المملكة التي نعرفها اليوم، ولم يكن النفط بمداخيله هو المحدد الحاسم في النظرة إلى السعودية، بل إن هذا الارتباط الفكري والوجداني ارتكز على صورة الرجل ومشروعه ومكانته العربية والإسلامية.

يتحدث سلام بعد الزيارة عن تأثيرها في استمرارية علاقته وتطورها بالأمراء السعوديين، ومنهم ولي العهد آنذاك الأمير سعود، وأنه احتفى به في زيارة له إلى لبنان، وأقام حفلة على شرفه في حديقة مزرعة آل سلام في "الغدير" بضاحية بيروت، في مشهد يثير الشجن والحزن في آن على ما آلت إليه أحوال "الغدير" اليوم.

ويشير إلى أن زيارته الثانية والأخيرة للملك عبد العزيز كانت في "الطائف" عام 1953، قبل أسابيع قليلة على وفاته "وجدته في جلسة تركت في نفسي أثرًا خاصًا، ولا سيما أنها كانت مقابلتي الأخيرة معه، فقد كان على كرسيه، ومن حوله فريق من خواص العلماء يتلو معهم آيات من المصحف الشريف، ويحاولون جميعًا أن يشرحوا بعض تفاسيره".

ويبين بأن الملك عبد العزيز كان يحرص على توجيه أبنائه في الأمور العامة بما راكمه من مخزون هائل من الحكمة والروية والتجربة. كان المشهد أقرب إلى خاتمة رجل عاش عمره كله في صناعة الدولة، ولم يتخلَّ عن شؤونها حتى أيامه الأخيرة.

ويختم سلام شهادته قائلا "ها هي المملكة العربية السعودية بما توالى عليها من أبناء عبد العزيز ملكًا بعد ملك، يتوطد كيانها، وتسير قُدُمًا في معارج الرقي والعمران على كل صعيد، وترتقي مكانتها عربيًا وإسلاميًا وعالميًا يومًا بعد يوم. والمملكة ما زالت تبني سياساتها الحكيمة على ذلك التراث المجيد الذي خلّفه لها موحّد الجزيرة العربية، الرجل العظيم عبد العزيز آل سعود".

* من كتاب صائب سلام "شخصيات لبنانية وعربية وعالمية عرفتها"