قد نربط زيادة الوزن عادةً بكثرة تناول الطعام أو قلة الحركة، لكن عوامل أخرى يمكن أن تؤثر فيه، من بينها التوتر النفسي المزمن. فعندما يمر الإنسان بفترات طويلة من الضغط النفسي، تحدث تغيرات في الجسم قد تنعكس على الشهية والنوم والهضم واختيارات الطعام وطريقة استخدام الجسم للطاقة. ومن أبرز الهرمونات المرتبطة باستجابة الجسم للتوتر هرمون الكورتيزول. وعلى الرغم من أن الكورتيزول ضروري لعدد من وظائف الجسم، فإن استمرار التوتر وارتفاع مستوياته لفترات طويلة قد يؤثران في السلوك الغذائي والصحة العامة. لذلك، لا يقتصر التعامل مع التوتر على تحسين الحالة النفسية، بل يمكن أن يكون جزءًا من نمط حياة صحي ومتوازن.
الكورتيزول هرمون طبيعي تنتجه الغدد الكظرية الموجودة فوق الكليتين. ويزداد إفرازه عندما يتعرض الإنسان للتوتر أو يشعر بوجود خطر، ليساعد الجسم على التعامل مع المواقف التي تتطلب استجابة سريعة. وفي حالات التوتر الحاد، يدخل الجسم في ما يُعرف باستجابة "القتال أو الهروب"، إذ يوجّه الطاقة والموارد نحو التعامل مع الموقف الطارئ، فيما تتباطأ موقتًا بعض الوظائف التي لا تُعد ضرورية في تلك اللحظة، ومنها بعض وظائف الجهاز الهضمي. وهذه الاستجابة طبيعية ومفيدة في الظروف المناسبة، لكن المشكلة قد تظهر عندما يصبح التوتر مزمنًا ويستمر لفترات طويلة.
لكن، هل يمكن أن يسبب التوتر زيادة في الوزن؟
في الواقع يمكن للتوتر أن يؤثر في الوزن بطرق مختلفة. فعندما ترتفع مستويات الكورتيزول نتيجة الضغط النفسي، قد تزداد الشهية لدى بعض الأشخاص، كما قد تزداد الرغبة في تناول الأطعمة الغنية بالسكر والدهون والملح. وبالتالي، قد يصبح الشخص أكثر ميلا إلى تناول الحلويات والوجبات السريعة والمقرمشات والأطعمة الغنية بالسعرات الحرارية. كذلك، يمكن أن يؤثر التوتر في النشاط البدني والنوم والعادات اليومية، وهي عوامل تنعكس بدورها على الوزن. وقد تكون زيادة الوزن المرتبطة بالتوتر أكثر وضوحًا في منطقة البطن، فيما يرتبط تراكم الدهون حول الخصر بزيادة مخاطر بعض المشكلات الصحية، ومنها أمراض القلب والأوعية الدموية. لذلك، لا ينبغي النظر إلى الوزن بمعزل عن نمط الحياة ككل، إذ إن التوتر والنوم والنشاط البدني ونوعية الغذاء عوامل مترابطة.
إنما، هل يؤدي التوتر دائمًا إلى زيادة الوزن؟
ليس بالضرورة، إذ يختلف تأثير التوتر من شخص إلى آخر. ففي بعض الحالات، يؤدي إلى زيادة الشهية وتناول كميات أكبر من الطعام، فيما قد يُسبّب لدى أشخاص آخرين فقدان الشهية أو إهمال الوجبات، وبالتالي فقدان الوزن. فعندما يكون الشخص تحت ضغط شديد، قد ينشغل بالعمل أو المشكلات إلى درجة تجعله يتخطى وجبة الغداء أو يؤخر تناول الطعام. كما قد تؤثر استجابة الجسم للتوتر في الجهاز الهضمي، فتظهر أعراض مثل ألم المعدة والحرقة والإسهال أو الإمساك. وإذا استمرت هذه الأعراض، فقد تؤدي لدى بعض الأشخاص إلى انخفاض كمية الطعام التي يتناولونها. لذلك، فإن العلاقة بين التوتر والوزن ليست في اتجاه واحد، إذ قد يؤدي التوتر إلى زيادة الوزن أو فقدانه، وفق استجابة الجسم وسلوكيات الشخص خلال هذه الفترة.
التوتر والجهاز الهضمي
يتأثر الجهاز الهضمي بشكل واضح بالحالة النفسية. وأثناء استجابة الجسم للتوتر، قد تتغير حركة الجهاز الهضمي، ما يؤدي إلى أعراض مثل الانتفاخ وألم البطن والإسهال والإمساك أو الحرقة. ومع استمرار التوتر، قد تصبح هذه الأعراض أكثر وضوحًا لدى بعض الأشخاص. لذلك، من المهم عدم تجاهل الأعراض الهضمية المتكررة، خصوصًا إذا كانت تؤثر في الشهية أو كمية الطعام أو الوزن.
كذلك، تُعد جودة النوم من أكثر الأمور التي قد تتأثر خلال فترات التوتر. فقد يصبح النوم أكثر صعوبة، أو قد يستيقظ الشخص مرات عدّة خلال الليل. كما أنّ قلة النوم قد تؤثر في مستويات الطاقة والعادات الغذائية، فضلا عن ارتباط النوم بتنظيم الكورتيزول والعمليات الأيضية في الجسم. لذلك، يُعد تحسين النوم جزءًا مهمًا من التعامل مع التوتر والحفاظ على نمط حياة صحي.
التغذية المتوازنة خلال التوتر
عندما يكون الإنسان تحت ضغط نفسي، قد يهمل تناول الطعام أو يلجأ إلى الأطعمة السريعة والجاهزة. لذلك، من المفيد الحفاظ، قدر الإمكان، على مواعيد منتظمة للوجبات. وإذا كانت الشهية منخفضة، يمكن تناول وجبات صغيرة ومتكررة بدلا من إجبار النفس على تناول وجبة كبيرة. ويُفضّل اختيار أطعمة تحتوي على البروتين والألياف، مثل الخضار والفواكه والحبوب الكاملة والأسماك والمكسرات والبذور. في المقابل، يُستحسن الحد من الإفراط في تناول المشروبات السكرية والحلويات ورقائق البطاطا والأطعمة المقلية والمصنّعة، لأنها قد توفر دفعة سريعة من الطاقة من دون قيمة غذائية كافية.
الحركة والاسترخاء
يمكن أن يكون النشاط البدني المنتظم وسيلة مفيدة للتعامل مع التوتر، كما يساعد على الحفاظ على الكتلة العضلية. وليس من الضروري أن يكون النشاط شديدًا، إذ يمكن أن يشكّل المشي اليومي أو ممارسة أي رياضة يفضّلها الشخص بداية جيدة. كذلك، قد تساعد تقنيات الاسترخاء، مثل التنفس العميق والتأمل واليوغا أو تخصيص وقت للراحة، في إدارة التوتر.
حل سحري للكورتيزول؟
تُسوّق منتجات ومكملات كثيرة على أنها تساعد على خفض الكورتيزول وتسريع خسارة الوزن. لكن لا توجد أدلة مستقلة كافية تثبت فعالية كثير من هذه المنتجات في خفض الكورتيزول أو إنقاص الوزن. لذلك، بدلا من البحث عن حل سريع، من الأفضل التركيز على الأساسيات: غذاء متوازن، ونشاط بدني منتظم، ونوم كافٍ، وطرق صحية للتعامل مع التوتر.
أخيرًا، إذا كان فقدان الوزن غير مقصود ومستمرًا، فمن المهم عدم نسبه تلقائيًا إلى التوتر وحده، إذ قد يكون مرتبطًا بأسباب صحية أخرى تستدعي استشارة الطبيب وإجراء التقييم المناسب.
Instagram: dietcenterleb
LinkedIn: Diet Center Lebanon