مما لا يحتمل الشك، أن اعتلاء المنابر لا يليق بأي أحد. فلو بلغ الإنسان من الطول السماء، ولو علا صوته عنانها، ولو كان جسده يتكلم لغة العالم أجمع... لا يمكن لمتحدث أن يملأ منبراً اعتلاه إن لم يكن يدرك ما يلقيه من كلمات ويؤمن بها إيماناً تراه الجموع كما ترى وجهه.
في مدارس علوم السياسة ومعاهد البروتوكول والخطابة، تتربع خطابات زعماء العالم أعلى مواد الطلاب وبحوثهم.
خطاب نواف سلام بلسان لبنان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة واحد من تلك الدروس.
فالرجل انفرد وحيداً من بين زعماء العالم بتصفيق حار بعد أن أطلق موقف الدولة: «لا أحد يتحدث باسم لبنان سوى الدولة اللبنانية، ولا نقبل أن نكون ساحة صراعات وورقة تفاوض للآخرين».
تحدث «خبير الأمم المتحدة» عن هلع العالم بالتسلح دون التنمية البشرية. وشرح واقع لبنان السياسي والسيادي... وطالب برفع الاحتلالات جميعها. فوجّه نداءً للعالم بالضغط لمساعدة لبنان في تحرير جنوبه من سيطرة الجيش الإسرائيلي، استعداداً لعودة النازحين. كما رسم موقفاً حاداً حول مفاوضات إسلام آباد بين إيران وأميركا برعاية باكستانية – قطرية، وهي أول مرة يعلن فيها لبنان موقفاً واضحاً وصريحاً تجاه مسار إسلام آباد. إذ اعتبر نواف سلام أنه «لا يجوز أن يكون أمن لبنان واستقراره ثمناً لتسويات تُعقد في غيابه».
ورغم مروحة لقاءاته التي سبقت وتلت خطابه، بدا واضحاً أن سلام تعمّد رسم خطوط لبنان الحمراء أمام الأمم المتحدة قبل لقائه بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الإثنين في واشنطن.
فسلام يدرك أن روبيو يجلس في زاوية مؤثرة من عقل الرئيس دونالد ترمب، كما يعلم أيضاً أن دور روبيو المزدوج في البيت الأبيض كمستشار للأمن القومي ورئيس للدبلوماسية الأميركية، لا يجعله فقط أول من يجمع بين المنصبين منذ هنري كيسنجر في السبعينات، بل هو أول من يضعه ترمب نفسه في موقعين هما الأهم في إدارته.
من هذا المنطلق، كرر سلام تعهّد الدولة بأن «لبنان لا يتنصّل من مسؤولياته، ولا يطلب من الآخرين أن يقوموا بما يتوجّب عليه القيام به»، مجدداً تأكيد تحمّل الدولة مسؤوليتها في الإصلاح وبسط سلطتها على كامل أراضيها». لكن ذلك لا يعني أن يترك المجتمع الدولي دوره ومسؤولياته في ضمان احترام سيادة لبنان، وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية.
من سمع نواف سلام الجمعة، تذكّر رفيق الحريري حين ألقى كلمة لبنان في الدورة 53 للجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1998... حينها اعتبر الرئيس الحريري أن لبنان يواجه ظلماً مزدوجاً: «فهو يتعرض من جهة لاعتداءات إسرائيلية مدمّرة واحتلال جنوب لبنان ومناطق بالبقاع الغربي. ومن جهة أخرى يرى عجز العالم عن تطبيق القرارات الدولية التي تحفظ حقه وتعزز سيادته».
بلغ نواف سلام ما بلغه رفيق الحريري في الأمم المتحدة. وأبلغ الرسالة ذاتها. وبثبات سياسي، أعاد تموضع الدولة اللبنانية مع مشهد يكرره التاريخ من تشكّل التحالفات العسكرية في الشرق الأوسط، وإعادة تشكيل المحاور مع تهاوي محاور أخرى.