تواصلت الهجمات الروسية المكثفة على العاصمة الأوكرانية كييف لليوم الرابع على التوالي، في تصعيد مستمر حتى كتابة هذا الخبر، حيث وصفتها السلطات الأوكرانية بأنها من الأعنف منذ أشهر، وسط استخدام متزايد للطائرات المسيّرة الهجومية والصواريخ بعيدة المدى التي تستهدف العاصمة ومحيطها بشكل شبه يومي.
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قال إن الهجمات الروسية الأخيرة تسببت بأضرار في مقر إقامة السفير السعودي في كييف، الذي استُهدف بمسيّرة روسية انتحارية من نوع «غيران-5»، إلى جانب أضرار جسيمة لحقت بمبانٍ سكنية ومنشآت مدنية ومرافق حيوية في عدد من أحياء العاصمة. وأضاف أن الضربات استهدفت مناطق مأهولة بالسكان ومنشآت لا تحمل أي طابع عسكري، معتبرًا أن ما يجري يمثل استمرارًا لحملة روسية تهدف إلى ممارسة الضغط على المجتمع الأوكراني وإرهاق البنية التحتية للبلاد.
وشهدت كييف خلال الأيام الماضية سلسلة متواصلة من الإنذارات الجوية والانفجارات، فيما أمضى آلاف السكان ساعات طويلة داخل الملاجئ ومحطات المترو. وأعلنت السلطات المحلية سقوط قتلى وجرحى جراء الضربات، إضافة إلى اندلاع حرائق في مبانٍ سكنية ومستودعات ومنشآت خدمية، بينما واصلت فرق الإنقاذ العمل في عدة مواقع تعرضت للقصف.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تشير فيه تقارير عسكرية أوكرانية وغربية إلى أن روسيا كثفت استخدام جيل جديد من الطائرات المسيّرة النفاثة الأسرع من مسيّرات «شاهد» التقليدية. وتؤكد هذه التقارير أن سرعة المسيّرات الجديدة وارتفاع تحليقها يجعلان اعتراضها أكثر صعوبة بالنسبة لمنظومات الدفاع الجوي الأوكرانية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع نسبة الأهداف التي تصل إلى العمق الأوكراني مقارنة بالفترات السابقة.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تحولت كييف إلى محور رئيسي في الحرب الجوية بين الطرفين. فبعد سنوات كانت فيها الجبهات البرية تستحوذ على الاهتمام الأكبر، باتت المعركة تمتد بصورة متزايدة إلى الأجواء، حيث تعتمد موسكو على هجمات واسعة النطاق بالمسيّرات والصواريخ لإرباك الدفاعات الجوية واستنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية الأوكرانية، فيما ترد كييف بهجمات بعيدة المدى تستهدف منشآت نفطية وعسكرية داخل الأراضي الروسية.
ويرى محللون أن الهجمات الأخيرة تعكس تحولًا في الاستراتيجية الروسية، إذ لم تعد الضربات تركز فقط على منشآت الطاقة، بل امتدت إلى قطاعات الاتصالات والإنترنت والخدمات الرقمية. وأفادت تقارير حديثة بأن عددًا من مراكز البيانات ومزودي خدمات الإنترنت في كييف تعرضوا لأضرار أدت إلى انقطاع مؤقت للخدمة عن عشرات الآلاف من المشتركين، في خطوة تهدف إلى التأثير على النشاط الاقتصادي والإداري في البلاد.
كما يأتي التصعيد الحالي بعد أسابيع من ضربات أوكرانية واسعة النطاق استهدفت العمق الروسي، بما في ذلك موسكو ومنشآت نفطية ومراكز لوجستية تعتبر حيوية للاقتصاد الروسي. وأعلنت موسكو مرارًا أنها سترد على تلك الهجمات عبر تكثيف الضربات الدقيقة ضد أهداف داخل أوكرانيا، بينما تؤكد كييف أن عملياتها تستهدف البنية التحتية المرتبطة بالمجهود الحربي الروسي.
وفي ظل استمرار القصف، تتزايد المخاوف داخل أوكرانيا من دخول الحرب مرحلة جديدة تعتمد بصورة أكبر على الهجمات بعيدة المدى واستهداف العمق المدني والاقتصادي، خصوصًا مع اقتراب فصل الشتاء الذي تخشى كييف أن يشهد حملة روسية واسعة ضد البنية التحتية الحيوية وشبكات الطاقة والاتصالات.
وبينما تتبادل موسكو وكييف الاتهامات بشأن استهداف المدنيين والمنشآت غير العسكرية، يبقى سكان العاصمة الأوكرانية في مواجهة واقع يومي تفرضه صفارات الإنذار والانفجارات المتكررة، في حرب دخلت عامها الخامس دون ظهور مؤشرات جدية على قرب انتهائها.