في تاريخ الثقافة اللبنانية، أسماء حضرت في واجهة المشهد، وأخرى عملت بعيدًا من الأضواء، لكنها تركت أثرًا في الكتاب واللغة وصناعة المعرفة. ومن بين هذه الأسماء متري عبد الله نقولا نعمان (1912–1994)، الشاعر والأديب والكاتب المسرحي والمترجم والناشر والمصحّح، الذي جمع في تجربته بين القلم والمطبعة والمكتبة، حتى غدا الكتاب بالنسبة إليه أكثر من مادة للتأليف؛ غدا عالمًا عاش في رحابه وأسهم في صناعة كثير من صفحاته.
وُلد متري نعمان في دمشق عام 1912، وتلقّى تعليمه في المدرسة البطريركية، ثم تابع دراسته في معهد الصلاحية في القدس، المعروف أيضًا بمدرسة القديسة حنّة. أتقن العربية والفرنسية واليونانية واللاتينية، فانفتح تكوينه المبكر على أكثر من فضاء لغوي وثقافي. ثم استقر في لبنان، وارتبطت حياته العملية بالمؤسسة البولسية ومطبعتها؛ فعمل قارئًا ومصححًا فيها، ثم عُيّن مديرًا لها، ليكون قريبًا من الكتاب في مراحل إعداده ومراجعته وإخراجه إلى القارئ.
وفي البيئة الثقافية اللبنانية في القرن العشرين، لم تكن المطبعة مجرد مكان لإنتاج الكتب؛ فقد كانت المجلات ودور النشر والمطابع جزءًا أساسيًا من الحركة الفكرية والأدبية. ومن هنا تكتسب تجربة نعمان دلالتها؛ إذ لم يعمل على الكتاب من جهة التأليف وحدها، بل شارك في خدمته من الداخل، قارئًا ومصححًا ومراجعًا وناشرًا.
بين الوجدان والحكمة
كان متري نعمان شاعرًا متمسكًا بالوزن والقافية، ولم ينخرط في المغامرة الشكلية التي طبعت بعض تجارب الشعر العربي الحديث. لكن شعره لا يُختزل في تقليديته الشكلية؛ فالوجدان والحكمة والتأمل في الحياة والموت والإنسان تشكّل مفاتيح أساسية لقراءته. وفي قصيدته "ذكرى وحنين" يقول:
"أرى في وردة البستان أختي
يضوعُ بعَرْفها صدقُ الإخاء"
لا تبدو الوردة هنا مجرد صورة طبيعية، بل تتحوّل إلى وسيلة لاستحضار الغائب. فالعطر يحمل الذاكرة، والطبيعة تستعيد شخصًا عزيزًا، ويتحوّل المشهد الخارجي إلى مساحة داخلية للحنين. وفي هذه الصورة تظهر وجدانية هادئة؛ فالشاعر لا يواجه الفقد بالصراخ، بل يترك للطبيعة أن تتكلم عنه، وللعطر أن يحمل ما تعجز العبارة المباشرة عن حمله.
وفي الأبيات التي زوّدني بها نجله ناجي نعمان، تنتقل التجربة من ذكرى الفقد إلى التأمّل في مصير الإنسان:
"ما المرءُ إلا صفحةٌ تُطوى
أسطورةٌ في مُصحَفِ الدهرِ
يَروي الحياةَ وبعدَها يُروى
وعسى يُنَوِّرُ في دُجى القبرِ"
فالإنسان "صفحة" في كتاب الزمن، يروي حياته ثم يصبح هو نفسه حكاية يرويها الآخرون. والمقابلة بين "يَروي" و"يُروى" تختصر انتقال الإنسان من الحضور إلى الأثر، فيما تمنح صورة النور في "دُجى القبر" الموت بُعدًا روحيًا يفتح على الرجاء.
وهذا المزج بين العاطفة والحكمة يضيء جانبًا من شعره؛ فهو لا يكتفي بالتعبير عن الانفعال، بل يستخرج منه معنى أوسع يتعلق بالإنسان ومصيره. ومن هنا تبدو قصيدته أقرب إلى وجدان مثقف عاش طويلًا مع الكتب واللغة، وتأمل في ما يبقى من الإنسان بعد أن تنقضي حياته.
مشروع أدبي
ولم يكن الشعر سوى جانب من مشروعه الأدبي. فقد كتب المسرح الشعري منذ سن مبكرة؛ فكانت "التلاقي بعد الفراق" مسرحية شعرية من ثلاثة فصول، كتبها وهو في الرابعة عشرة من عمره، وطُبعت سنة 1930، ثم جاءت "في سبيل الثأر" سنة 1938 في خمسة فصول. وتكشف هاتان التجربتان عن اهتمام مبكر بالحدث والحوار والصراع، وهو ما يمكن أن يفسّر حضور النزعة السردية والحكائية في بعض شعره. كما كتب القصة، ومن أعماله "من الجحيم إلى النعيم"، إلى جانب "أنقذوني من أهلي" في النقد اللغوي.
أما الترجمة فكانت نافذة أخرى في مشروعه الثقافي. فقد ترجم "محاورات الكرمليات" لجورج برنانوس، و "الأمل" لأندريه مالرو، و "دفاع سقراط وكريتون" لأفلاطون إلى "اللغة اللبنانية"، أي إلى اللهجة اللبنانية المكتوبة، إضافة إلى "بريطانيا في عهد الملكة فكتوريا" لأندريه موروا، و "العلاقات الإنسانية" لفرنسيس بو. وهذه الاختيارات تكشف اتساع دائرة اهتمامه، ومحاولته نقل الأدب والفكر من ثقافات أخرى إلى القارئ اللبناني والعربي.
لكن الجانب الأكثر هدوءًا في سيرته، وربما الأكثر دلالة على علاقته باللغة، هو عمله في التصحيح والمراجعة. ففي "تكملة معجم المؤلفين" لمحمد خير رمضان يوسف، يرد اسمه بوصفه من المساهمين في تصحيح مئات الكتب والمجلدات، ومن بينها "المعجم العربي الحديث – لاروس". وهذه مساهمة لا ينبغي النظر إليها بوصفها عملا تقنيًا هامشيًا؛ فالمصحّح يقف في المنطقة الدقيقة بين المؤلف والقارئ، يحرس سلامة النص ويشارك في صوغ صورته النهائية.
كما أسهم في إعداد سلاسل وكتب تعليمية، ومنها سلسلة "المشوّق"، فامتد أثر عمله إلى مجال التعليم أيضًا. وهنا تتضح صورة "رجل الكتاب": شاعر يكتب، ومصحح يراجع، ومترجم ينقل، وناشر يتيح للنص أن يصل.
وفي عام 1979، أسّس "دار نعمان للثقافة"، لتكون امتدادًا طبيعيًا لعلاقته الطويلة بالكتاب. ونال وسام المعارف اللبناني عام 1985، ثم وسام الفنون والآداب الفرنسي سنة 1989.
دار وتراث
لم يتوقف حضور متري نعمان عند رحيله في صربا – لبنان، في 8 كانون الثاني 1994. فقد واصل نجله ناجي نعمان جمع آثاره والعناية بتراثه، وأعدّ وحقّق وعلّق على كتاب "متري نعمان: السيرة الذاتية ومنتخبات"، فحفظ جانبًا من سيرته وآثاره في عمل توثيقي مباشر. وفي عام 2007، أُطلقت "جائزة متري نعمان للدفاع عن اللغة العربية وتطويرها"، لتأخذ صلته باللغة شكلا مؤسسيًا امتد بعد رحيله.
وفي الذكرى المئوية لمولده عام 2012، أُقيمت في مركز "دار نعمان للثقافة" فعاليات ثقافية استحضرت سيرته وآثاره، كما افتُتحت "صالة متري وأنجيليك نعمان الاستعادية" في مبنى الدار، لتضم جانبًا من مكتبته ومؤسسته وتراثه. وهكذا، لم يعد إرثه مجرد كتب محفوظة، بل صار ذاكرة ثقافية حاضرة في المكان والمؤسسة.
ولا تكمن أهمية متري نعمان في أنه كان من المجدّدين الكبار الذين غيّروا مسار الشعر العربي الحديث؛ فقصيدته بقيت أقرب إلى التقليد في الوزن والقافية. وهذه ملاحظة نقدية ضرورية لوضع تجربته في سياقها الأدبي، لكنها لا تلغي خصوصيتها. فالقيمة هنا لا تقوم على التجديد الشكلي وحده، بل على اجتماع الشعر والوجدان والحكمة والمسرح والترجمة والتصحيح والنشر في شخصية ثقافية واحدة.
كان شاعرًا يكتب عن الإنسان، ومترجمًا يفتح نوافذ على ثقافات أخرى، ومصححًا يحرس النص، وناشرًا يسهم في وصول الكتاب إلى قارئه. وبين الكلمة والمطبعة، وبين المؤلف والقارئ، عاش متري نعمان معظم حياته.
ولعل أجمل ما تختصره تجربته أن الثقافة لا يصنعها أصحاب الكتب وحدهم، بل يصنعها أيضًا أولئك الذين يحمون النص، ويصححونه، ويطبعونه، وينقلونه إلى الناس. لقد طُويت صفحة متري نعمان عام 1994، لكن ما تركه في الكتاب واللغة والذاكرة الثقافية لم يُطوَ معها.
* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
